حماتي حطت لي حبوب منومة في الشوربة عشان توقعني في مصيبة وتخرب بيتي..

لمحة نيوز

إيه كان خايف إن الخلافات تكبر بعد رحيله.
وفي آخر سطر كتب
لو قرأتم هذه الرسالة، فاعرفوا أن أكبر ميراث أسيبه لكم ليس أرضًا ولا مالًا... أكبر ميراث هو أن تظلوا عائلة واحدة.
سكت طارق طويلًا.
ثم طوى الورقة بعناية وحطها قدامه.
في اليوم التالي دعا إخوته وأمه وكل أفراد الأسرة.
قرأ عليهم الخطاب كاملًا.
كانت المرة الأولى من شهور اللي الكل يسمع فيها من غير مقاطعة أو جدال.
حتى حماتي كانت ساكتة تمامًا.
ولما انتهى، قالت بصوت منخفض
أبوك كان أشطر مننا كلنا... عرف اللي هيحصل بعده.
وبعد الاجتماع ده، بدأت مشاكل كثيرة تنتهي بالتدريج.
الخلاف على الأرض اتحل بالتراضي.
والشكوك اللي كانت بين أفراد العيلة اختفت واحدة وراء التانية.
أما أنا، فشعرت أخيرًا أن البيت الذي دخلته زوجة منذ سنوات صار بيتي فعلًا.
مرت شهور...
ثم سنة كاملة.
وفي إحدى الأمسيات، كنا مجتمعين على العشاء، والضحك مالي المكان، لما بصيت حواليّ واكتشفت حاجة غريبة.
كل الأحداث اللي قلبت حياتنا رأسًا على عقب بدأت بسبب كذبة واحدة.
وكشفتها حقيقة واحدة.
ومن يومها تعلمت درسًا عمري ما أنساه
الظلم ممكن يعيش فترة طويلة، لكن الحقيقة عندها عادة غريبة...
تتأخر أحيانًا، لكنها في النهاية تصل دائمًا مرت سنة كاملة على اللي حصل، والحياة رجعت هادئة أخيرًا.
وفي صباح يوم جمعة، كنت بنضف المخزن
القديم اللي تحت السلم، ولقيت صندوق خشب صغير مقفول بمفتاح صدئ.
افتكرت إنه مجرد خردة قديمة، لكن لما فتحته لقيت جواه ألبومات صور ورسائل عمرها عشرات السنين.
وأثناء تقليب الصور، وقعت صورة على الأرض.
رفعتها... واتجمدت مكاني.
الصورة كانت لحماتي وهي شابة صغيرة، واقفة جنب سيدة ما عمري شفتها قبل كده، لكن الغريب إن السيدة كانت شبه بنتي بشكل مخيف!
جريت على طارق وورّيته الصورة.
بص لها ثواني طويلة، ثم قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
أنا أعرف الست دي...
سألته بسرعة
مين؟
رد وهو ما زال محدقًا في الصورة
دي الست اللي أمي كانت تمنع أي حد يجيب سيرتها طول عمرها.
وفي اللحظة دي دخلت حماتي المطبخ، وشافت الصورة في إيدينا.
اختفت الابتسامة من وشها فورًا.
وقبل ما نسأل أي سؤال، قالت بصوت مرتعش
منين جبتوا الصورة دي؟
عرفت وقتها إن السر اللي حاولت تدفنه السنين كلها... رجع يطاردها من جديد سكتنا كلنا بعد ما سمعنا صوت حماتي المرتعش.
كانت أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيها.
طارق قام من مكانه وقال بهدوء
مين الست دي يا أمي؟
حاولت تاخد الصورة من إيده بسرعة، لكنه سحبها قبل ما توصل لها.
قعدت على الكرسي وكأن رجليها ما بقتش شايلاها.
مرت ثوانٍ طويلة قبل ما تتكلم.
ثم قالت
اسمها سامية... وكانت أقرب صاحبة ليا.
استغربنا.
لو كانت مجرد صديقة قديمة، ليه
كل الخوف ده؟
لكن حماتي كملت كلامها وهي تبص للصورة
إحنا اتربينا مع بعض من وإحنا صغيرين... وكبرنا مع بعض... ووعدنا بعض إن عمرنا ما نفترق.
بدأ الفضول يزيد عندنا.
سألها طارق
طيب ليه عمري ما سمعت اسمها قبل كده؟
نزلت عينيها للأرض وقالت
عشان آخر مرة شفتها فيها كانت من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
ثم رفعت رأسها وأضافت
ومن يومها وأنا عايشة وأنا حاسة بالذنب.
ساد الصمت في المكان.
لأول مرة كانت حماتي تتكلم عن نفسها، مش عن غيرها.
حكت لنا إن سامية مرت بظروف صعبة جدًا في شبابها، وإن خلافًا كبيرًا حصل بينهما قبل سنوات طويلة.
غضب، وكلمات قاسية، وقطيعة استمرت سنوات.
وفي يوم قررت سامية السفر بعيدًا.
لكن قبل سفرها بأيام تعرضت لوعكة صحية مفاجئة، ولم تتمكن حماتي من رؤيتها أو الاعتذار لها.
ومن وقتها انقطعت أخبارها تمامًا.
سألتها
يعني ما تعرفيش هي فين دلوقتي؟
هزت رأسها بالنفي.
ثم قالت بصوت مكسور
ولا حتى عايشة ولا لأ.
في تلك الليلة لم ينم أحد.
الغريب أن الصورة التي ظهرت فجأة أيقظت شيئًا قديمًا داخل البيت كله.
وفي صباح اليوم التالي، اتخذ طارق قرارًا لم يكن متوقعًا.
قال
إحنا هندور عليها.
بصت له أمه بدهشة.
أما أنا فابتسمت لأول مرة منذ بداية الحكاية.
لأنني شعرت أن الرحلة الجديدة لم تكن للبحث عن سامية فقط...
بل كانت فرصة أخيرة لقلوب كثيرة
كي تتصالح مع الماضي قبل فوات الأوان بدأ طارق فعلاً في البحث عن أي أثر لاسم سامية.
سأل أقارب قدام، وفتّش في أوراق قديمة، وحتى راح لمكان البيت اللي كانوا ساكنين فيه زمان.
لكن كل الطرق كانت بتقف عند نفس النقطة مفيش أي معلومة واضحة.
ومع كل يوم كان بيعدي، كانت حماتي بتتغير بشكل غريب.
أصبحت أهدى، أقل عصبية، وكأن فكرة البحث عن سامية فتحت جواها باب كانت قافلاه سنين.
وفي يوم، وإحنا قاعدين على الغدا، جت رسالة على تليفون طارق من رقم مجهول.
فتحها، ولقي فيها صورة قديمة ممسوحة ضوئيًا.
والتعليق كان مكتوب
لو عايزين تعرفوا الحقيقة، تعالوا المكان ده.
ومرفق عنوان قديم على أطراف المدينة.
قلب البيت كله اتقلب في لحظة.
حماتي شافت الرسالة، ووشها اتشد فجأة، وقالت بسرعة
مفيش داعي تروحوا!
لكن طارق كان حسم قراره.
وفي اليوم التالي، ركبنا كلنا العربية ورحنا العنوان.
كان مكان قديم شبه مهجور، بيت صغير حوالين أرض زراعية.
أول ما نزلنا، وقفنا مكاننا.
لأن الباب كان مفتوح كأن حد مستنينا.
دخلنا بحذر، وقلوبنا بتخبط.
وفجأة، من آخر الأوضة، ظهر شخص واقف في الظل.
لما النور وقع عليه، اكتشفنا إن المفاجأة أكبر بكتير من كل توقعاتنا
لأن الشخص اللي واقف قدامنا كان شبيه الصورة القديمة بشكل صادم.
لكن الغريب مش في الشبه
الغريب إنه قال أول جملة بصوت هادي جدًا
كنت
متأكد إنكم هتيجوا خصوصًا هي.
وبص ناحية حماتي مباشرة.
في اللحظة دي، حماتي رجعت خطوة لورا، وهمست
ده مستحيل

تم نسخ الرابط