يالهوي.. بنتي المراهقة وجوزي بدأوا فجأة ينزلوا بالليل متأخر بحجة إنهم رايحين "يجيبوا آيس كريم
المحتويات
شال خفيف.
ركبت العربية معاهم وأنا مش عارفة رايحين فين.
بعد حوالي نصف ساعة، وقفنا.
سمعت أصوات ناس كتير وضحك أطفال.
وفجأة شالوا العصابة من على عيني.
لقيت نفسي واقفة قدام محل صغير متجدد بالكامل.
على الواجهة كانت لافتة مكتوب عليها
مشغل أم ملك للخياطة والتفصيل.
حطيت إيدي على فمي من شدة الصدمة.
كان حلمي من سنين طويلة.
حلم كنت بحكي عنه كل فترة وبعدين أسكت لأني كنت فاكرة إن الظروف مستحيل تسمح.
بصيت لمصطفى وأنا مش قادرة أتكلم.
قال بهدوء كل مرة كنتي بتأجلي حلمك عشان البيت أو الأولاد. المرة دي دورنا إحنا نحققه.
أما ملك فطلعت مفتاح صغير من جيبها وحطته في إيدي.
وقالت المحل باسمك يا ماما.
انهمرت دموعي من جديد.
لكن وسط الزحمة والفرحة، لاحظت وجود سيدة كبيرة واقفة بعيد تراقبنا.
كانت مبتسمة ودموعها في عينيها.
استغربت وسألت مين الست دي؟
هنا تبدلت ملامح مصطفى وملك، ونظروا لبعض للحظة.
ثم اقتربت السيدة ببطء.
وقالت بصوت مرتجف
ممكن أكلمك دقيقتين يا بنتي؟
كان في نبرة صوتها شيء غريب...
شيء خلاني أحس إني سمعت الصوت ده قبل كده بسنين طويلة.
وعندما رفعت عينيها ونظرت لي مباشرة، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كله...
لأنها قالت جملة واحدة فقط
أنا جاية أقولك الحقيقة اللي اتدفنت من ستاشر سنة...
يتبع...نظرت لها وأنا مش فاهمة.
الفرحة اللي كانت مالية قلبي من لحظات بدأت تختلط بحيرة وخوف.
قلت
السيدة أخدت نفسًا عميقًا، وكانت إيديها بترتعش.
وقالت اسمي نادية... وكنت أعرف والد ملك.
أحسست أن الأرض اهتزت تحت قدمي.
اسم والد ملك كان من المواضيع اللي قفلتها في حياتي من سنين. رجل اختفى فجأة بعد ولادتها، ولم يترك وراءه إلا الوجع والأسئلة.
بصيت لها بصدمة تعرفيه إزاي؟
قالت والدموع في عينيها لأنه كان ابني.
ساد الصمت.
حتى مصطفى وملك اتفاجئوا، لأنهم هم أيضًا لم يكونوا يعرفون ماذا ستقول.
شعرت بدقات قلبي تتسارع.
طوال ستة عشر عامًا لم يحاول أحد من عائلته التواصل معي.
فلماذا الآن؟
قالت بصوت مكسور أنا مش جاية أطلب حاجة... ولا جاية أقلب حياتكم. أنا جاية أصلح غلطة كبيرة قبل ما أموت.
ثم فتحت حقيبة صغيرة كانت تحملها وأخرجت ظرفًا قديمًا.
كان أصفر اللون، وعليه اسمي بخط أعرفه جيدًا.
تجمدت مكاني.
كان خط والد ملك.
فتحت الظرف بأصابع مرتجفة.
في الداخل كانت رسالة قصيرة.
قرأتها وعيناي تمتلئان بالدموع
لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أو الظروف منعتني أوصلك. عمري ما سيبتك بإرادتي، وعمري ما سيبت بنتي لأني مش عايزها. لو جه يوم وعرفتي الحقيقة، سامحيني.
لم أستطع إكمال القراءة.
رفعت رأسي نحو نادية وأنا أبكي.
قلت إيه الحقيقة؟
أخفضت رأسها وقالت
بعد ما اتولدت ملك بشهور، ابني اتعرض لحادث كبير. عاش فترة طويلة بين المستشفيات والسفر للعلاج، وبعدها دخل في مشاكل
جلست على أقرب كرسي وأنا أحاول استيعاب الكلام.
سنوات كاملة من الغضب والعتاب بنيتها على فكرة أنه تخلى عنا.
والآن أسمع رواية مختلفة تمامًا.
لكن قبل أن أقول أي شيء، أكملت نادية كلامها
مش بطلب منك تصدقي كل حاجة. الرسائل والأوراق كلها معايا. والقرار في إيدك.
نظرت إلى مصطفى.
كان واقفًا بصمت.
ثم اقترب مني ووضع يده على كتفي وقال
مهما كانت الحقيقة... اللي يهم دلوقتي إنك تعرفيها كاملة، وبعدها تقرري بنفسك.
في تلك اللحظة نظرت إلى ملك.
كانت تتابع كل شيء وعيناها ممتلئتان بالأسئلة.
أسئلة ظلت بلا إجابة طوال عمرها.
وعرفت أن اليوم الذي بدأ بمفاجأة جميلة...
قد يكون أيضًا بداية كشف أسرار ظلت مخفية ستة عشر عامًا كاملة.
النهاية لكن بالنسبة لملك... لم تكن هذه نهاية القصة.
كانت واقفة في زاوية المشغل، تنظر بيني وبين نادية وكأنها تحاول جمع قطع صورة ناقصة ظلت تبحث عنها طوال عمرها.
قالت بصوت خافت
يعني... بابا الحقيقي ما سابنيش؟
سكتت نادية لحظة ثم قالت
ما أقدرش أجاوبك بنعم أو لا. اللي أقدر أقوله إنه كان بيحاول يوصل لكم، لكن حياته اتلخبطت بشكل كبير.
نظرت ملك إلى الأرض.
أما مصطفى فاقترب منها ووضع يده على كتفها.
وقال
مهما كانت الحقيقة، فيه حاجة واحدة عمرها ما هتتغير.
رفعت
ابتسم وقال
إني بحبك وكأنك بنتي من يوم عرفتك.
فجأة ارتمت ملك ف وهي تبكي.
وكان ذلك أول مرة أراها تبكي بهذا الشكل منذ سنوات.
خلال الأسابيع التالية، بدأنا نقرأ الرسائل القديمة.
كانت عشرات الرسائل.
بعضها لم يصل أبدًا.
وبعضها كان يحتوي على صور قديمة وتفاصيل عن محاولاته للبحث عنا.
لكن وسط كل تلك الأوراق وجدنا شيئًا غريبًا.
رسالة لم تُفتح أبدًا.
كانت مختومة بتاريخ يعود إلى خمسة عشر عامًا.
فتحتها بحذر.
وفي داخلها ورقة واحدة فقط.
كتب فيها
إذا وصلت هذه الرسالة يومًا، فأرجو أن تعرف ابنتي أنني تركت لها شيئًا سيحتاجه مستقبلها.
تحت الجملة كان هناك عنوان.
ولا شيء آخر.
نظرنا لبعضنا بدهشة.
قالت ملك
إيه الموجود هناك؟
هززت رأسي.
لم أكن أعرف.
حتى نادية نفسها بدت متفاجئة.
بعد يومين قررنا الذهاب إلى العنوان.
كان منزلًا قديمًا مهجورًا على أطراف المدينة.
الطلاء متآكل والأبواب مغلقة منذ سنوات.
استعنا بصاحب العقار الذي فتح لنا المكان.
دخلنا بحذر.
كان المنزل فارغًا تقريبًا.
لكن في إحدى الغرف الصغيرة وجد مصطفى صندوقًا معدنيًا قديمًا مخبأ خلف خزانة مكسورة.
تسارعت أنفاسنا.
فتحناه ببطء.
وفي الداخل وجدنا...
دفاتر.
صورًا.
خطابات.
وألبومًا كاملًا يوثق سنوات من حياة والد ملك قبل اختفائه.
لكن أكثر شيء أوقفنا جميعًا كان ظرفًا أبيض كبيرًا مكتوبًا عليه
إلى ملك... عندما تكبر.
ارتجفت يد
في الداخل رسالة طويلة.
لم يكن فيها مال ولا ممتلكات ولا أسرار صادمة.
فقط كلمات أب لابنته.
كلمات عن أحلامه
متابعة القراءة