بعد طلاقنا خبيت حملي منه لحد يوم ولادتي
جهاز واحد بيصرخ باسم الحياة أو الموتالصمت جوّه غرفة العمليات كان أخطر من الصراخ نفسه.
كل حاجة حواليا بقت أبيض في أبيض إضاءة قاسية، أصوات أجهزة متقطعة، وخطوات سريعة بتلف حواليا كأن المكان مش مستقر.
ابدئي تحضير! صوت يوسف جه حاسم بس فيه رعشة مخفية ماعرفش يخبيها.
الممرضة شدت إيدي هنخدّر دلوقتي خدي نفس عميق.
لكن قبل ما أتنفس، عيني كانت بتدور عليه يوسف.
واقف عند رأسي، لابس زي العمليات، ماسك أدواته، بس ملامحه مش دكتور بس ده راجل بيحارب حاجة أكبر منه.
همست بصوت مكسور ما تسيبهوش
رد بسرعة وهو بيبصلي لحظة واحدة بس مش هسيبه ده ابني.
الكلمة دي وقعت عليّا زي مطر نار.
ابني أخيرًا قالها بصوت مسموع.
بس اللحظة ما كملتش فجأة الجهاز صرخ صرخة حادة.
النبض بيختفي! الممرضة صرخت.
يوسف اتجمد ثواني ثواني بس كانت كفاية تخلي الغرفة كلها تبقى جحيم.
بعدين اتغير.
صوته بقى حاد، قوي، مختلف تمامًا
افتحوا المجال بسرعة! هنعمل إنقاذ داخل الرحم!
إيديه بدأت تتحرك بسرعة جنونية، كل حاجة حواليا بقت أوامر متتالية، أدوات بتتسلم، أجهزة بتتظبط، وأنا مش فاهمة غير إني بحاول أتمسك بالحياة.
الألم رجع مرة واحدة أقوى من الأول.
صرخت مش قادرة!
يوسف بصلي، عينيه فيها انهيار مكبوت استحملي لو ثانية كمان هنلحقه!
ثانية؟
إزاي ثانية
وفجأة كل حاجة سكتت.
الجهاز.
الصراخ.
الحركة.
حتى صوت نفسي.
الممرضة همست بخوف الدكتور مفيش نبض
الوقت وقف.
وش يوسف اتسحب منه اللون كله والمشرط وقع من إيده على الأرض صوت معدني بارد.
بصلي وشفته لأول مرة مش دكتور ولا طليق ولا إنسان قوي.
شفته أب بيضيع.
وهمس بصوت مكسور جدًا
لا لسه بدري
وبعدين حصل اللي محدش توقعه
الجهاز رجع يصرخ مرة واحدة بصوت أقوى من الأول.
في نبض ضعيف لكنه موجود!
يوسف رفع رأسه بسرعة كأنه اتولد من جديد.
كملوا! كملوا فورًا!
وأنا بين الحياة والموت حسيت بحاجة واحدة بس
إن السر اللي يوسف قال عليه قبل ما أدخل العمليات لسه ما اتفتحش.
وإن اللي جاي مش ولادة وبس
ده كشف لكل اللي اتكتم سنين الجهاز رجع يصرخ بنبض ضعيف بس كافي يفتح باب أمل صغير في وسط الجحيم.
يوسف ما استناش لحظة. إيده رجعت تتحرك بسرعة مرعبة، كأنه بيحاول يمسك الحياة قبل ما تفلت تاني.
زودوا الأكسجين شدوا المراقبة أنا شايفه! صوته كان أعلى من أي جهاز في الأوضة.
أنا كنت بين الوعي واللاوعي الألم بقى مش واضح، لكن الخوف هو اللي مسيطر. حسّيت إني بتهز من جوه، كأن جسمي كله مستني نتيجة قرار واحد.
وفجأة يوسف قرب مني أكتر، وصوته نزل درجة، كأنه بيكلمني أنا بس وسط كل الزحمة
سلمى بصيلي.
فتحت عيني بالعافية.
لقيته بيبصلي بنظرة عمرها ما شفتها منه قبل كده مش غضب، مش عتاب خوف صادق.
أنا هطلع الطفل بس لازم تثقي فيّا مرة واحدة بس حتى لو كنتي فاكرة إنك بتكرهيني.
ضحكة صغيرة خرجت مني من الوجع أنا مش قادرة أكره حد دلوقتي أنا بس عايزة أعيش.
سكت لحظة وبعدين قال وهتعيشي.
المشرط تحرك وكل حاجة حصلت بسرعة مخيفة.
صوت الأجهزة علي أصوات أوامر متداخلة وأنا حاسة إن الدنيا بتتقفل وتفتح في نفس اللحظة.
وفجأة
صرخة.
صرخة طفل.
ضعيفة في الأول وبعدين أقوى.
الصوت ده خلى جسمي كله يهنّأ فجأة كأنه كان محبوس واتحرر.
يوسف وقف لحظة إيده لسه ماسكة الطفل بس عينه اتملت دموع.
الممرضة قالت بسرعة بيتنفس!
أنا ابتسمت رغم التعب دموعي نزلت من غير ما أحس.
عايش؟ همست بصوت مكسور.
يوسف ما ردش فورًا كان بيبص للطفل كأنه شايف معجزة.
وبعدين رفع عينه عليّا وقال بصوت واطي جدًا
عايش وده أول مرة في حياتي أحس إني عملت حاجة صح.
بس الفرحة ما كملتش
لأن الباب اتفتح فجأة، ودخل ممرض بسرعة بيهمس في ودن يوسف.
وش يوسف اتغير في ثانية.
الدم اللي رجع لوشه اختفى تاني.
بصلي وبعدين بص للطفل
وهمس جملة خلت قلبي يقع من جديد
في حاجة لازم تتقال دلوقتي قبل ما تخرجي من هنا
سكت.
وبص ناحية الطفل تاني
وكمل بصوت أخفض
اللي بيني وبينك مش بس طلاق يا سلمى يوسف
اللي بيني وبينك مش بس طلاق يا سلمى.
سكت.
والغرفة كلها سكتت معاه.
حتى صوت الأجهزة كأنه خفّ فجأة، كأن المكان نفسه بيسمع.
أنا بصيت له بعين مرهقة، وقلبي بدأ يدق بطريقة مش مفهومة يعني إيه؟
ما ردش.
بس عينه راحت للطفل وبعدين رجعت لي تاني، وفيها وجع تقيل
الطفل ده كان ممكن ما يبقاش موجود أصلًا.
الجملة وقعت عليّا زي حجر.
إنت بتقول إيه؟! صوتي خرج ضعيف ومهزوز.
الممرضة اتجمدت في مكانها، ووشها اتغير.
يوسف خد نفس طويل، كأنه بيحاول يواجه حاجة كان بيهرب منها سنين
يوم ما سيبتِ البيت أنا روحت المستشفى في حالة طوارئ كان في مشكلة حصلت في تحليل قديم وقالوا إن فرص الإنجاب ضعيفة جدًا
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت مكسور
كنت فاكر إني السبب فاكر إني عمري ما هبقى أب.
أنا بصيت له وأنا مش مستوعبة وإيه علاقة ده بيا؟
قرب خطوة، وصوته نزل أكتر
لما عرفنا إنك حامل بعد الطلاق أنا ما صدقتش.
سكت تاني وبص للطفل اللي في حضانة الدفا
عملت تحاليل تانية سرًّا
قلبي وقف.
وطلعت النتيجة إن الطفل ده مش المفروض يكون موجود بالطريقة دي.
الصمت ضرب الأوضة.
أنا حسّيت الدنيا بتلف.
يعني إيه مش بالطريقة دي؟! صرخت.
يوسف رفع عينه فيّ، ودي أول مرة أشوفه ضعيف بالشكل ده
يعني في حاجة غلط في التاريخ
قاطعته وأنا ببكي كفاية! كفاية!
لكن الباب اتفتح فجأة تاني.
ودكتور