من قبل العيد بأيام قليلة كانت أمي تعبانة جدًاأخواتي الولاد كانوا لسه مش متجوزين
من قبل العيد بأيام قليلة، كانت أمي تعبانة جدًا. أخواتي الولاد كانوا لسه مش متجوزين، وكل واحد منهم رايح جاي في شغله وحياته، فحسيت إن المسؤولية كلها وقعت على كتفي أنا.
في ليلة، وأنا قاعدة مع جوزي، قولتله بهدوء
ماما تعبانة، وعاوزة أروح أنضفلها البيت شوية قبل العيد.
بصلي وسكت ثواني، وبعدين قال
لا.
افتكرت إنه متضايق أو مرهق، فمكملتش كلام.
تاني يوم الصبح، لقيته بيقولي
موافق تروحي... بس بشرط.
شرط إيه؟
تروحي تنضفي بيت أمي زي ما هتنضفي بيت أمك.
اتصدمت من كلامه.
بس أمك عندها بنت، المفروض تكلم بنتها تساعدها. أنا عندي بيتي وشقتي وأمي المريضة كمان.
اتغيرت ملامحه فجأة وقال بعصبية
يا تعملي اللي بقولك عليه يا مش هتروحي.
حاولت أشرحله، لكنه قاطعني
ومش فارق معايا لا أمك ولا أهلك كلهم.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
من غير ما أفكر رديت
وأنت كمان أمك مش فارقة معايا ولا أهلك كلهم.
ساعتها وقف من مكانه وقال
خلاص... روحي وهنشوف.
في اليوم التالي، أخدت شنطتي وروحت عند أمي.
أول ما فتحتلي الباب، شفت التعب في وشها. كانت بتحاول تبتسم لكنها بالكاد واقفة على رجليها.
وأنا مخنوقة من العياط.
مالك يا بنتي؟
مفيش يا ماما.
كذبت عليها علشان متشيلش هم فوق همها.
بدأت أنضف البيت وأرتبه، وكل شوية أمي تقول
سيبي يا بنتي، ارتاحي.
وأنا أقول
أهم حاجة صحتك.
بعد ساعات، موبايلي رن.
كان جوزي.
رديت.
أيوة.
ماترجعيش
سكت لحظة من الصدمة.
إيه؟
خلي أهلك ينفعوكي.
قلبي وجعني، لكن كرامتي منعتني أضعف.
قولت
مش هرجع.
وقفلت الخط.
أمي كانت قاعدة بعيد، لكن واضح إنها سمعت جزء من الكلام.
قربت مني وقالت
حصل إيه؟
مسكت إيدها وابتسمت بالعافية.
مفيش يا ماما... المهم صحتك.
لكن من جوايا كنت مكسورة.
مر يوم... واتنين... وقرب العيد.
وأنا في بيت أهلي أخدم أمي، لكن الغريب إن جوزي اختفى تمامًا.
لا اتصل.
لا سأل.
لا حتى بعت رسالة.
وفي ليلة وقفة العيد، وأنا بجهز الدوا لأمي، سمعت أخويا الصغير بيجري من بره البيت وهو بيصرخ
إنتوا عرفتوا اللي حصل؟!
كلنا بصينا له باستغراب.
قال وهو بيحاول يلقط نفسه
جوز أختي... الشرطة كانت عند بيته من شوية!
تجمد الدم في عروقي.
أمي قامت من مكانها رغم تعبها.
شرطة؟ ليه؟
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي تجمد الدم في عروقي، وأمي قامت من مكانها رغم تعبها وهي بتقول بقلق
شرطة؟ ليه؟
أخويا بلع ريقه وقال
الناس بتقول إن في خناقة كبيرة حصلت عند بيت جوزك، والشرطة أخدت حماته وأخته على القسم!
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
مهما حصل بيني وبينه، عمر ما كنت أتمنى له أذى.
لبست طرحة على السريع وخرجت مع أخويا نشوف إيه اللي حصل.
ولما وصلنا، لقيت الشارع كله واقف.
الجيران بيتكلموا، والعربية الشرطية لسه واقفة.
أول ما شافني واحد من الجيران قال
الحمد لله إنك مش هنا.
ليه؟!
لأن
اتسعت عيني من الصدمة.
بسببي أنا؟!
قال الرجل
حماتك كانت بتقول للناس إنك سبتِ البيت وهربتي، وإنك زوجة ناشز، وكانت بتشوه سمعتك قدام الكل.
وفي وسط الكلام، بنتها دخلت معاها في خناقة كبيرة بسبب موضوع تاني، والخناقة كبرت لدرجة إن الجيران اتصلوا بالشرطة.
وقفت مصدومة.
يعني وأنا قاعدة أخدم أمي المريضة، كانوا مشغولين بتشويه صورتي!
وفجأة سمعت صوت مألوف خلفي.
أنا كنت غلطان.
لفيت بسرعة.
كان جوزي.
واقف وشكله متبهدل وتعبان جدًا.
بصلي بعين مكسورة لأول مرة من يوم ما اتجوزنا.
إنتِ كنتِ صح.
سكتُّ.
كمل كلامه
لما مشيتي، اكتشفت حاجات كتير. اكتشفت إن أمي كانت بتحاول تسيطر على حياتنا كلها، وإنها كانت دايمًا بتحرضني عليكي.
نزلت عيني للأرض.
قال
ولما مرضت أمي يومين، طلبت من أختي تساعدها... أختي رفضت وقالت إنها مش خدامة عند حد.
وساعتها افتكرت كلامك.
رفع رأسه وهو بيقول
فهمت إنك كنتي بتعملي اللي محدش غيرك رضي يعمله.
فضلت ساكتة.
الجرح كان أكبر من كلمة آسف.
قال بصوت متحشرج
أنا غلطت لما خيرتك بين أمك وأمي.
وغلطت أكتر لما قلتلك ما ترجعيش بيتي.
أول مرة أحس إنه ندمان فعلًا.
لكن قبل ما أرد، أمي اللي كانت واقفة جنبنا قالت
يا ابني... الزوجة اللي تسيب راحتها علشان تخدم أمها المريضة، عمرها ما تكون زوجة سيئة.
نزل رأسه في الأرض.
ثم قال
سامحيني.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
المسامحة
هز رأسه وقال
عارف... ومستعد أصلح كل حاجة.
ومر العيد هذه المرة بشكل مختلف.
لم أرجع معه في نفس الليلة.
تركته يفكر في كل كلمة قالها.
وبعد أيام، جاء إلى بيت أهلي ومعه كبار العائلة.
واعتذر أمام الجميع.
واعترف بخطئه.
ولأول مرة منذ شهور، شعرت أن كرامتي لم تُهدر.
أما أمي، فكانت تبتسم وهي تراقب المشهد.
وقالت جملة لن أنساها أبدًا
اللي ينسى فضل أمه، الأيام هي اللي بتفكره... لكن أحيانًا بعد فوات الأوان.
وانتهت القصة، لكن الدرس بقي
من يطلب منك أن تختار بين برّ والديك وبين إرضائه، لا يفهم معنى الرحمة ولا معنى الأسرة الحقيقية. لكن القصة ما انتهتش عند كده...
بعد أسبوع من رجوعي البيت، كنت بحاول أبدأ صفحة جديدة. جوزي بقى هادي أكتر، وبيحاول يصلح اللي حصل بينا، وأنا كنت بديله فرصة علشان خاطر السنين اللي عشناها.
وفي يوم، كنت برتب الدولاب، ولقيت ظرف قديم واقع وراء درج.
استغربت.
فتحته، ولقيت جواه ورق.
أول ورقة كانت كشف تحويل بنكي بمبلغ كبير.
والاسم المكتوب في خانة المستفيد كان اسم أخت جوزي.
قلبت باقي الأوراق، ولقيت أكتر من تحويل، وكلهم بمبالغ كبيرة وعلى فترات متقاربة.
وقفت مستغربة.
إحنا أصلًا كنا بنمر بضائقة مالية الفترة اللي فاتت.
لدرجة إن جوزي كان بيقولي كل شوية إن المصاريف كتير وإن لازم نوفر.
مسكت الورق
وأنا مش فاهمة.
ولما رجع
بص للورق واتغير لون وشه.
قلت بهدوء
إيه ده؟
سكت.
دي تحويلات لأختك؟
تنهد وقال
أيوه.
والمبالغ دي كلها؟
نزل رأسه