وانا بطلع صينيه الديك الرومي التقيله من الفرن
بالعكس، كان هادي زيادة عن اللزوم.
راجل في أواخر الأربعينات، لابس جاكيت غامق، وشنطة جلد صغيرة في إيده.
أول ما شافنا، ابتسم.
ابتسامة مش مريحة.
وقال بصوت منخفض أخيرًا كل العيلة اتجمعت.
محمود بص له بحدة إنت مين؟!
الراجل ما ردش عليه.
عينه راحت لريهام.
وقال أنا كنت فاكر إنك هتفضلي تلومي نفسك أكتر من كده.
ريهام شدّت نفسها للأمام خطوة إنت اللي لعبت في كل حاجة مش كده؟
سكت لحظة.
وبعدين قال بهدوء أنا بس كنت بشوف النتيجة.
الضابط اتدخل بسرعة إنت متهم باختراق مركز إعادة تأهيل وتهريب نزلاء
الراجل قاطعه بإشارة بإيده أنا مش بهرب حد أنا بوجّههم.
الكلمة كانت أبرد من الهوا.
محمود صرخ توجّه مين؟ أخواتي؟ حياتنا؟!
الراجل بص له لأول مرة أنت فاكر إن اللي حصل في بيتكم كان صدفة؟ الغضب السكوت الحوادث كل ده كان بيتبني خطوة خطوة.
قرب خطوة.
ومع كل خطوة كان الضابط بيرفع سلاحه أكتر.
بس الراجل وقف فجأة وقال لو ضربتني، هتفضل الحقيقة مدفونة زي ما كانت طول السنين اللي فاتت.
سكت.
وبعدين طلع من الشنطة ملف صغير.
ورماه على الأرض.
الملف اتفتح مع الهوا.
وصورة وقعت قدام رجلينا.
صورتنا إحنا.
أنا ومحمود وبيت قديم.
وتحتها ملاحظات مكتوبة بخط صغير جدًا.
ريهام همست ده بيتنا القديم
الراجل هز راسه مش بيتكم بس ده كان موقع تجربة.
الدنيا اتسحبت من تحت رجلي.
محمود بص له بعدم فهم تجربة إيه؟ إنت بتخرف!
الراجل ابتسم تجربة على العنف داخل العائلات إزاي بيتحول الألم لعدوى وإزاي الضحية ممكن تتحول لمرآة للجاني.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم يبرد
وريهام كانت أول نجاح غير مقصود.
ريهام رجعت خطوة لورا.
أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيها.
إنت كداب
الراجل بص لها بهدوء ولا يوم كذبت عليكِ. أنا بس سيبتكِ تعيشي تجربتك لوحدك.
الضابط صرخ كفاية كلام! إنت متحبس
لكن قبل ما يكمل
الراجل رفع إيده فجأة.
وقال بهدوء شديد أنا مش هنا عشان أهرب أنا هنا عشان أقفل الملف.
سكت.
وبعدين بص لنا واحد واحد.
وقال بس الإغلاق مش دايمًا بيكون لطيف.
وفجأة
نور السطح كله قطع.
ظلام كامل.
وصوت حاجة وقعت على الأرض.
وبعدين
صرخة واحدة.
مش عارفين مين.
لكنها كانت كفاية تخلي كل اللي فينا يفهم إن اللحظة اللي جاية مش هتكون نجاة سهلة لأي حد محمود شدّ على إيدي كأنه بيحاول
حد إيه؟ إنتِ بتقولي إيه؟
الضابط كان واقف قريب، سمع الجملة، وبص لنا بنظرة جادة التحقيق لسه في أوله بس في كاميرات اتعطلت قبل الحادثة بدقايق. وده مش طبيعي.
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخلي أي أمل في الصدفة ينهار.
اتلفتُ حواليّا.
المركز كان شبه خلية نحل مضروبة في قلبها. ناس بتجري، أوراق بتتسحب، وأصوات بتعلى وتنخفض.
بس أنا عيني وقعت على حاجة صغيرة على الأرض.
محمود لاحظ بصري.
نزل بسرعة ورفعها.
كانت بطاقة تعريف بلاستيك مكسورة من النص.
قلبها، وبعدين وشه اتغير.
دي مش بتاعة المركز دي بتاعة حد إداري.
الضابط قرب منه وريني.
أخدها منه، وبص فيها ثواني.
وبعدين قال جملة خلت الجو يتجمد الاسم ده مش موظف هنا ده كان متسجل استشاري خارجي من شهر واحد بس.
رفعت عيني استشاري في إيه؟
سكت لحظة.
وبعدين قال إعادة تأهيل حالات العنف وخصوصًا الحالات اللي ليها تاريخ عائلي معقد.
محمود بصلي بسرعة يعني إيه الكلام ده؟
لكن قبل ما الضابط يرد
جهاز اللاسلكي بتاعه رن.
صوت متوتر جاي من الطرف التاني لقينا بصمة كاميرا مفعلة في السطح وفي حركة فوق حد لسه جوه المبنى.
الكل اتلفت ناحية السلم.
والهوا بقى تقيل بشكل يخنق.
طلعنا بسرعة.
أنا، محمود، والضابط وفريق صغير.
السلم كان ضيق، والأنوار بتومض.
كل خطوة كانت بتعمل صوت كأنها بتفضحنا.
ولما وصلنا للسطح
مفيش حد.
بس فيه باب حديد مفتوح.
والريح داخلة خارجة كأنها بتتنفس.
محمود دخل أول واحد، وأنا وراه.
وفجأة
سمعنا صوت.
صوت بطيء هادي مألوف.
كنتوا متوقعين إني أهرب؟
قلبي وقع.
ريهام.
بس الصوت كان جاي من مكان مش واضح.
لفينا حوالينا بسرعة.
لحد ما شفناها.
واقفة عند حافة السطح، ضهرها لنا.
وشعرها بيتحرك مع الهوا.
محمود صرخ ابعدي عن الحافة!
لكنها ما اتحركتش.
قالت بهدوء أنا ما هربتش أنا خرجت عشان أفهم مين لسه بيحركني من ورا الستار.
سكتت لحظة.
وبعدين لفّت وشها.
وشها كان هادي بشكل يخوف.
مش انهيار ولا جنون.
وعي كامل.
وقالت أنا اكتشفت حاجة في المركز في تسجيلات مش بتتسجل في الملفات الرسمية.
الضابط قرب خطوة إنتِ بتقولي إيه؟
رفعت إيديها ببطء، وقالت في حد كان بيستفيد من إننا نظل متكسرين.
محمود بص لها بعدم فهم مين؟
ريهام بصّت لنا واحد واحد.
وبعدين قالت الجملة اللي فتحت باب
اللي كان بيستغلنا مش واحد غريب. ده حد من جوه العيلة طول الوقت.
الصمت نزل علينا زي حجر.
ومحمود همس مستحيل
لكن ريهام أشارت ناحية الأسفل، ناحية المكان اللي جينا منه.
وقالت لو نزلتوا دلوقتي هتفهموا إن اللي حصل في البيت زمان ماكانش صدفة. ولا غلطة. كان مخطط.
وفجأة
صوت خطوات طلع من باب السطح الخلفي.
ببطء.
تقيل.
وكأن اللي جاي مش مستعجل يستخبى تاني الظلام كان تقيل بشكل يخنق.
مش مجرد إطفاء نور ده كان إحساس إن السطح نفسه اتقفل علينا.
الضابط رفع صوته كل واحد في مكانه!
محمود مسكني جامد، وسمعت نفسه متقطع جنب ودني.
الهواء اتحرك فجأة.
وصوت خطوات جريت ناحية اليمين.
وبعدين صوت خبطة قوية في الحديد.
الراجل كان بيتحرك في الضلمة كأنه شايفنا كلنا.
وفجأة
نور الطوارئ اشتغل.
أحمر خافت.
وبمجرد ما الدنيا ابتدت تبان
مفيش حد كان في نفس المكان.
الضابط
واقف عند الباب الخلفي، سلاحه مرفوع، لكنه بيبص حواليه بارتباك.
محمود كان جنبي
لكن ريهام كانت اختفت.
قلبي وقع.
ريهام؟!
ناديت بصوت عالي.
مفيش رد.
السطح كله فاضي غيرنا.
الملف اللي كان على الأرض اتحرك مع الهوا، وورقة منه اتعلقت في السور.
قربت بسرعة، ومسكتها.
كانت ورقة مكتوب فيها بخط صغير
اللي بيحرك اللعبة مش واحد ده نظام كامل.
محمود بصلي هي راحت فين؟
الضابط دخل بسرعة على اللاسلكي اقفلوا كل المخارج! في حد اختفى على السطح!
لكن فجأة
سمعنا صوت جاي من تحت، من درج الطوارئ.
صوت خطوات سريعة وجري.
محمود جري ناحية الباب، وأنا وراه.
نزلنا السلم بسرعة، لحد ما وصلنا للدور اللي تحت السطح.
وكان فيه باب مفتوح.
والهوا بيعدي منه كأنه بيستعجلنا.
دخلنا.
الأوضة كانت مخزن صغير مليان ملفات قديمة وأجهزة متكسرة.
لكن اللي شد انتباهي
كان شاشة كمبيوتر شغالة.
والفيديو شغال عليه.
صورتنا.
نفس اللحظة اللي كنا فيها فوق السطح متصورة من زاوية مختلفة.
محمود بصلي إزاي؟!
وفجأة صوت الراجل طلع من سماعة صغيرة قلتلكوا أنا مش بلعب لوحدي.
الضوء في الشاشة انعكس على وشه في تسجيل جديد كان ظاهر فيه وهو واقف جوه نفس الغرفة.
لكن مش لوحده.
كان واقف معاه شخص تاني.
ظل بس ملامحه مش واضحة.
بس الصوت
كان صوت مألوف بشكل مستحيل.
صوت محمود.
أنا بصيت له.
هو بصلي.
الاتنين في نفس اللحظة قالوا لا
والشاشة فجأة
والباب اتقفل علينا من برّه.
وصوت المفاتيح اتسمع بيتلف ببطء.
ثم صوت الراجل قال من وراء الباب الملف الحقيقي لسه ما اتفتحش.
وفي نفس اللحظة
محمود مسك دماغه فجأة.
وقال بصوت مكسور أنا فاكر المكان ده قبل كده
وبصلي.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل اللي فات
أنا دخلت هنا قبل ما نقابل ريهام أصلًامحمود كان واقف كأنه بيحاول يمسك ذاكرته قبل ما تقع منه.
إيده على دماغه، ووشه شاحب أنا فاكر كنت هنا قبل ما أعرفك قبل ما أعرف أي حاجة.
قربت منه بخوف إزاي يعني؟
الضوء في الغرفة كان بيرعش، والصوت برّه الباب بيحاول يلف المفتاح أكتر.
محمود بلع ريقه وقال أنا مش أول مرة أدخل المركز ده أنا كنت جاي هنا
في تحقيق قديم من سنين.
سكت لحظة، كأن الكلام بيطلع بالعافية.
وكان فيه اسم نفس الاسم اللي في الملفات نفس الراجل اللي فوق بس ساعتها قالوا إن الموضوع اتقفل.
برا الباب، الصوت وقف فجأة.
سكوت تام.
وبعدين صوت خطوات بتبتعد.
كأنه استسلم.
لكن جوه الغرفة، الحقيقة كانت بتتفتح لأول مرة.
محمود بصلي أنا كنت جزء من حاجة واتمسحت من ذاكرتي أو اتقالّي إنها اتقفلت بس واضح إنها مااتقفلتش.
قربت من الشاشة اللي لسه فيها آخر فريم من الفيديو.
وشفت لحظة سريعة قبل ما الشاشة تسود
شخص واقف ورا محمود في التسجيل.
مش ظله.
شخص تاني.
نفس الهيئة بس مش هو.
همست مين ده؟
محمود رجع خطوة مش عارف بس واضح إنه كان بيعيش مكاني وقتها.
الصمت وقع.
وفجأة، الباب اللي اتقفل علينا
اتفتح من غير صوت.
الضوء دخل من برّه.
ومفيش حد.
لا الراجل، ولا أي حد.
الضابط ظهر في آخر الممر وهو بينادي المكان اتأمّن مفيش حد هنا!
لكن اللي كان غريب
إن كل الملفات اللي كانت على الأرض اتشالت.
كأن الغرفة ما حصلش فيها حاجة من الأساس.
بعدها بيومين.
القضية اتقفلت رسميًا.
حادث أمني داخل منشأة خاصة.
ولا ذكر لاسم ريهام. ولا الرجل الغريب. ولا حتى التسجيل.
كل حاجة اتشالت من الأوراق زي ما لو ما حصلتش.
لكن أنا عارفة الحقيقة.
ومحمود عارفها.
بس كل واحد فينا بيخاف يقولها بصوت عالي.
في آخر ليلة قبل ما نسافر من المدينة دي، محمود قالي أنا مش عايز أفتكر اللي حصل هناك.
بصيت له وقلت ومين قال إننا هننسى؟
سكت.
وبعدين قال بهدوء المهم نكمل وإحنا عارفين إن في حاجة كانت بتحاول تتحكم فينا ومانجحتش.
مسك إيدي.
المرة دي كانت إيده ثابتة.
وخرجنا من البيت اللي اتفتح فيه كل الجروح
من غير ما نلاقي إجابة واحدة كاملة.
بس لأول مرة
من غير ما نلاقي حد بيحركنا من ورا الستار.
والشارع قدامنا كان مفتوح.
مش واضح.
مش مضمون.
لكن حقيقي.
ونحن كملنا المشي.