امي كانت بين الأجهزه والعمليات لمده ٩٠ يوم
فعلًا اتوتر.
وقال بصوت واطي إنتِ بلغتي؟
قلت لسه.
الكلمة نزلت عليهم كأنها حكم.
ولأول مرة شفت حماتي نفسها خايفة.
كانت على السرير جوه الأوضة، تعبانة ووشها شاحب لكن أول ما لمحتني قالت بحدة مش وقت مشاكل عائلية يا سلمى.
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة الغريب إنكم عمركم ما شفتوا وقت مناسب لوجعي أنا.
وساعتها الدكتور خرج وقال إن حالتها مستقرة وإنها محتاجة رعاية ومتابعة بس.
كلهم اتنفسوا براحة.
إلا أنا.
لأني أخيرًا كنت باخد نفسي بعد سنين.
كريم قرب مني بعد ما الناس بعدت شوية.
صوته كان مكسور لأول مرة إنتِ عايزة إيه؟
بصيتله طويل
الراجل اللي كنت بحبه زمان.
الراجل اللي سيبني أدفن خوفي لوحدي.
وقلت بمنتهى الهدوء عايزة حقي وعايزة نفسي اللي ضاعت.
رجع خطوة كأنه اتضرب.
وأنا كملت بكرة الصبح هتروح البنك. القرض يتشال من اسمي بالكامل. وكل تحويل اتاخد من حسابنا يرجع موثق. وبعدها كل واحد يروح لحاله باحترام.
قال بسرعة تقصدِي طلاق؟
هزيت راسي بهدوء لأ أقصد نجاة.
وسبته واقف مكانه
ورحت ناحية أوضة حماتي.
دخلت بهدوء.
كانت باصة للسقف وساكتة.
قربت منها وعدلت لها الغطا.
اتفاجئت.
وقالت بصوت ضعيف بعد اللي حصل لسه بتساعديني؟
بصيتلها بثبات وقلت أنا مش زيكم.
وسبت الورقة الصفرا فوق الكومود.
وخرجت.
المرة دي أنا اللي سبتهم في المستشفى.
ومشيت الأيام اللي بعد الليلة دي كانت هادية بشكل غريب
الهدوء اللي بييجي بعد عاصفة تخلع الروح.
كريم
بعتلي ورق الطلاق على الإيميل من غير كلمة زيادة.
حتى الرسالة اللي معاه كانت رسمية وباردة أتمنى لكِ حياة مستقرة.
سبع سنين جواز وانتهوا في سطر.
لكن الغريب؟
إني ماعيطتش.
ولا حتى لما شفت صورنا القديمة وأنا برتب الدولاب.
ولا لما لقيت التيشيرت الرمادي اللي كان بيلبسه في أول سفرية لينا.
ولا حتى لما شميت ريحته فيه.
الوجع كان خلص خلاص
ويمكن دي أخطر مرحلة.
أمي بدأت تتحسن شوية شوية.
بقت تمشي خطوتين من غير ما تسند على الحيطة.
وبقت تضحك أوقات.
ضحكة خفيفة متعبة لكنها حقيقية.
أما أنا، فرجعت شغلي بكامل وقتي.
ولأول مرة من سنين، بقيت أصرف فلوسي من غير خوف.
من غير ما حد يراجعني صرفتي كام؟ بعتّي لمين؟ ليه المصاريف زادت؟
اكتشفت إن الحرية مش صوت عالي
أحيانًا الحرية تبقى مجرد إنك تشربي قهوتك من غير ما قلبك يكون مقبوض.
لكن الحياة كان لسه عندها مفاجأة أخيرة.
بعد حوالي شهر، كنت خارجة من الشركة متأخرة، والمطر نازل خفيف.
ولما وصلت الجراج
لقيت كريم.
واقف جنب عربيتي.
أول ما شافني اتحرك ناحيتي بسرعة.
كان شكله مختلف.
خس شوية.
دقنه طويلة.
وعينه مرهقة كأنه ما بينامش.
وقفت بعيد وسألته ببرود خير؟
سكت ثواني
وبعدين مدلي ملف.
دي كل الورق اللي يثبت إنك مالكيش أي التزام بالبنك.
أخدته من غير كلام.
لكن هو ما مشيش.
فضل واقف.
وبعدين قال بصوت واطي أمي عايزة تشوفك.
ضحكت بسخرية خفيفة بعد إيه؟
رفع عينه فيا
سكتنا شوية.
المطر كان بينزل أخف.
وصوت العربيات بعيد.
وفجأة قال أنا كمان ظلمتك.
أول مرة يقولها صريحة.
من غير تبرير.
من غير بس.
بصيتله وماعرفتش أحس بحاجة.
لا شماتة.
لا حب.
ولا حتى كره.
بس تعب قديم.
كمل وهو باصص للأرض كنت فاكر إن الراجل اللي يرضي أهله يبقى صح حتى لو على حساب مراته.
سكت لحظة.
ولما خسرتك فهمت إن اللي مايعرفش يحمي بيته مايستحقوش.
الكلمات كانت متأخرة جدًا.
متأخرة لدرجة إنها ماوجعتنيش حتى.
قلت بهدوء عارف أصعب حاجة يا كريم؟
رفع عينه.
إنك سيبتني وقت ما كنت محتاجة حد يسندني مش فلوس، ولا هدايا بس كتف.
عينيه اتهزت.
وأنا كملت الست ممكن تنسى قلة الفلوس إنما عمرها ما تنسى إنها اتهانت وهي مكسورة.
نزل راسه
كأنه أخيرًا فهم.
وبعدين مد إيده بحاجة صغيرة.
ورقة صفرا.
نفس اللون.
اتجمدت وأنا باخدها.
فتحتها ببطء
ولقيت بخطه
أنا آسف إني خليتكِ تحسي إنك لوحدك.
بس.
جملة واحدة.
بسيطة.
متأخرة.
لكن حقيقية.
بصيتله طويل
وبعدين طويت الورقة بهدوء، وحطيتها في شنطتي.
مش علشان أسامحه.
لكن علشان أفتكر.
أفتكر إن الست لما تسكت كتير الناس بتفتكر إنها ضعيفة.
مع إن الحقيقة
إنها بتكون بس مستنية اللحظة اللي تختار فيها نفسها أخيرًا نزلت سلالم المستشفى ببطء
وكل خطوة كانت كأنها بتفك قيد قديم من حوالين قلبي.
برا كان الجو ساقعة والهوا يلسع الوش، لكن لأول مرة من سنين حسّيت إني
ركبت العربية وقعدت ساكتة شوية.
الموبايل فضل يرن.
كريم.
دينا.
حماتي.
حتى عمته اللي عمرها ما سألت عليا قبل كده بقت تبعت البيت مايتهدش يا بنتي.
ابتسمت بمرارة.
غريب أوي إن البيت مايبقاش بيت غير لما الست تقرر تمشي.
وصلت عند أمي.
كانت نايمة على الكنبة، جنبها بطانية تقيلة وكوباية دوا.
أول ما شافتني قالت بقلق خير يا سلمى؟ وشك مخطوف.
قعدت جنبها وحطيت راسي على رجلها لأول مرة من شهور.
وسكت.
أمي ما سألتش كتير.
كانت دايمًا بتفهم السكوت.
عدّى يومين.
كريم اختفى تمامًا.
لا رسايل.
لا مكالمات.
بس صباح اليوم التالت، جالي إشعار من البنك.
القرض اتشال من اسمي.
كامل.
وبعده بدقايق رسالة قصيرة منه
خلصت كل حاجة زي ما طلبتي.
بصيت للرسالة طويل.
مافرحتش.
لأن بعض الحاجات لما تتصلح بتكون اتكسرت خلاص.
لكن المفاجأة الحقيقية جت بالليل.
كنت في المطبخ بعمل شاي، لما الباب خبط.
فتحت
ولقيت حماتي.
واقفة لوحدها.
من غير مكياج.
من غير برفانها التقيل.
ومن غير النظرة المتعالية اللي كانت دايمًا في عينها.
إيدها كانت بترتعش وهي ماسكة كيس صغير.
دخلت بهدوء، وقعدت على أول كرسي قابلها.
أمي خرجت من الأوضة أول ما شافتها، والتوتر ملى المكان.
لكن حماتي ما بصتلهاش حتى.
كانت باصة ليا أنا.
وبعدين طلعت من الكيس علبة قديمة صغيرة.
وحطتها على الترابيزة.
قالت بصوت مبحوح دي كانت دهبك.
اتجمدت مكاني.
علبة الشبكة.
اللي اختفت من سنتين.
واللي كريم وقتها أقنعني إني أكيد ناسية حطاها فين.
فتحت العلبة بإيد مرتعشة
ولقيت الطقم كامل.
حتى الخاتم الصغير اللي أمي جابتهولي من تحويشة عمرها.
بصيت لحماتي بذهول