ابنتي ذات الخمسة عشر عامًا كانت تتلوّى من شدة الألم على أرضية الحمّام
ابنتي ذات الخمسة عشر عامًا كانت تتلوّى من شدة الألم على أرضية الحمّام بينما كان زوجي يكرر ببرود أنها تمثّل فقط. وفي تلك الليلة، خرجتُ بها سرًا إلى المستشفى دون أن يعرف وهناك بدأت الحقيقة التي قلبت حياتنا كلها
منذ ثلاثة أيام، كانت مريم تتقيأ بصمت داخل حمّام شقتنا الصغيرة في مدينة نصر.
تنحني فوق المغسلة، ووجهها شاحب بطريقة أخافتني، ويدها لا تفارق أسفل بطنها.
كنت أقول لزوجي حسام كل ساعة تقريبًا
لازم نوديها المستشفى.
لكنه كان يرمي مفاتيحه فوق الطاولة بعصبية ويقول
دي بنت مدلعة أكيد عايزة تهرب من الامتحانات.
في البداية حاولتُ تصديقه.
أحيانًا تُقنعك الحياة أن الخوف مبالغة، فقط لأنك تعبت من القلق.
لكن عندما بدأت مريم تتقيأ بشكل مقلق، شعرتُ أن شيئًا ليس طبيعيًا.
قلت له بخوف
شفت؟ لازم نتحرك حالًا.
حتى لم ينظر إليها.
قال ببرود
عضّت شفايفها من التوتر بطّلي دلع.
وفي الليلة التالية، ارتفعت حرارتها بشكل مقلق.
كانت الملاءة مبللة بالعرق، وأنفاسها متقطعة، لكن حسام انتزع الترمومتر من يدي وقال بضيق
كل شوية مستشفى ومستشفى هنصرف منين يعني؟
لم أرد.
لأنني كنت أعرف تلك النظرة في عينيه.
النظرة التي تعني أن النقاش انتهى.
لكن كل شيء تغيّر عندما وجدتها مغمى عليها داخل الحمّام.
كانت ممددة على الأرض الباردة، ويدها فوق بطنها، والهاتف مغلق داخل قبضتها كأنها حاولت طلب النجدة ولم تستطع.
في تلك اللحظة توقفتُ عن طلب الإذن.
انتظرت حتى نام حسام.
ثم ألبست مريم جاكيتًا ثقيلًا فوق ملابس النوم، وخرجنا من باب الشقة الخلفي بهدوء كامل.
لم أشعل الضوء.
حتى الباب أغلقته ببطء شديد.
كانت مريم تمشي منحنية، وشفتيها متشققتين،
ومع كل خطوة، كانت تخرج منها آهة صغيرة كأنها تخاف أن يزعج ألمها أحدًا.
همست
ماما لو بابا صحى هيزعل.
شعرتُ بشيء ينكسر داخلي.
لأن ابنتي لم تكن خائفة من الموت.
كانت خائفة من غضب أبيها.
قلت وأنا أحاول تثبيت صوتي
يزعل زي ما يزعل إنتِ جاية معايا.
طلبتُ سيارة أجرة بسرعة.
وعندما رآنا السائق من المرآة، تغير وجهه فورًا.
قال
على مستشفى إيه؟
أجبته
أقرب مستشفى بسرعة لو سمحت.
أسندت مريم رأسها على كتفي.
كانت رائحتها خليطًا من العرق والدواء الرخيص
وصلنا المستشفى في دقائق بدت لي كأنها ساعات.
كانت مريم تنزلق من على كتفي كل لحظة تقريبًا، وكأن جسدها لم يعد يحتمل حتى الجلوس.
دخلنا الطوارئ وأنا أصرخ حد يلحقها بسرعة!
في ثواني، جاء ممرضان وحملوها على ترولي معدني، واندفعوا بها داخل غرفة الكشف.
حسام كان أول ما صحى على اختفائنا، اتصل بي عشرات المرات، لكني لم أجب.
كنت واقفة خلف الزجاج، أراقب مريم وهي تُفحص، وقلبي بين يديّ.
بعد دقائق خرج الطبيب، رجل في منتصف الأربعينيات، ملامحه لا توحي بأي تهويل، لكن عينيه كانتا جادتين بشكل مخيف.
سألني بهدوء هي بقالها قد إيه كده؟
بلعت ريقي وقلت تلات أيام بس النهارده الحالة ساءت جدًا.
فتح الملف، ثم قال الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقي
بنتك عندها التهاب حاد في الزائدة الدودية والحالة متأخرة شوية.
وقبل أن أتنفس من الصدمة، أكمل بسرعة لازم تدخل عمليات فورًا.
شعرت أن الأرض تميل بي.
تأخرت؟ تلات أيام؟
رجعت بذهني لكل مرة قال فيها حسام تمثيل لكل مرة تجاهل فيها صراخي.
لكن الطبيب قطع أفكاري لو ما تدخلتش دلوقتي، في احتمال كبير يحصل انفجار
في اللحظة دي الممرضة خرجت تجري وهي تقول مين ولي الأمر؟ لازم إمضاء فورًا!
وفجأة سمعت صوتًا خلفي.
صوت أعرفه جيدًا.
أنا ولي أمرها.
التفتُّ ببطء.
كان حسام واقف عند باب الطوارئ، وجهه متوتر لأول مرة.
لكن قبل ما أتكلم كان الطبيب ينظر له نظرة مختلفة تمامًا، وقال بهدوء حاسم حضرتك كنت فين؟ الحالة دي ماينفعش فيها تأخير لحظة واحدة.
ساعتها حسيت إن المواجهة الحقيقية لسه ما بدأتش وأن اللي جاي أصعب من أي ألم قبل كده.
لو عايزة أكمّل لك بعد دخول العمليات ورد فعل الأب، قولي كملسكت حسام للحظة، كأن السؤال ضربه في مكان ما لم يكن مستعدًا له.
ثم حاول يثبت نفسه، وقال بنبرة دفاعية أنا كنت فاكرها بتدلع ماكنتش أعرف إنها حاجة خطيرة كده.
نظرت له، ولم أرد. لأن أي كلمة كانت ستخرج مني كانت ستكسرني أكثر مما ستكسره.
الطبيب لم يدخل في جدال، فقط قال بحسم مفيش وقت للكلام ده. امضي هنا بسرعة.
دخلت مريم غرفة العمليات بعد دقائق.
قبل دخولها، كانت تمسك يدي بقوة غير طبيعية مقارنة بضعفها، وهمست ماما أنا خايفة.
جلست بجانبها، ومسحت على شعرها وقلت أنا معاكي ومش هسيبك.
ثم أُغلقت الأبواب.
وبقيت أنا وحسام في الممر الطويل.
صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت أجهزة بعيدة وخطوات ممرضين مسرعة.
حسام كان واقفًا، لكن للمرة الأولى لم يكن يتكلم بثقة. كان ينظر للأرض كأنه يبحث عن شيء ضاع منه.
بعد فترة، قال بصوت منخفض لو كنتِ سمعتي كلامي من الأول ماكانش حصل ده.
التفتُّ له فجأة.
كان داخلي شيء يريد أن يصرخ، لكن صوتي خرج هادئًا بشكل مخيف لو كنت سمعت كلامي أنا كنا جينا بدري.
سكت.
لأول مرة، لم يجد ردًا.
مرت ساعة
كل دقيقة كانت أثقل من اللي قبلها.
وأخيرًا، فُتح باب العمليات.
خرج الطبيب.
وقفتُ بسرعة، قلبي يكاد يخرج من صدري.
قال العملية نجحت الزائدة كانت على وشك الانفجار فعلًا، لكن لحقناها في الوقت المناسب.
تنفست لأول مرة كأنني أتنفس بعد غرق طويل.
لكن الطبيب أكمل وهو ينظر لحسام مباشرة التأخير كان خطير جدًا. لو اتأخرتوا ساعة كمان، كنا ممكن نخسرها.
لم يرد حسام.
لكن وجهه تغيّر تمامًا.
لم يعد ذلك الرجل الذي يقول تمثيل أو دلع.
كان شخصًا آخر لأول مرة يرى الحقيقة بدون أعذار.
بعد دقائق، سمحوا لي برؤيتها.
دخلت غرفة الإفاقة.
كانت مريم نائمة، وجهها شاحب لكن مستقر، والأنابيب حولها خفيفة، والتنفس أصبح أهدأ.
جلست بجانبها، وأمسكت يدها.
وفي تلك اللحظة فقط شعرت أن البيت كله اللي كان بيكسرني، بدأ يتكسر جوّا صاحبه الحقيقي.
وخلفي، وقف حسام عند الباب هذه المرة لم يدخل.
فقط نظر.
ولم يتكلم في اليوم التالي، بدأت مريم تفتح عينيها ببطء.
كانت أول نظرة لها مرتبكة، كأنها تحاول تفتكر هي فين وليه جسمها تقيل بالشكل ده.
ولما شافتني، حاولت تبتسم.
همست بصوت ضعيف ماما أنا لسه عايشة؟
ابتسمت وأنا بعيط في نفس الوقت أيوه يا حبيبتي وربنا كتبلك عمر جديد.
في اللحظة دي، دخل حسام الغرفة.
كان ماسك كيس فيه عصير ومية، واقف على الباب كأنه مش عارف يدخل ولا لأ.
مريم بصّت له.
سكتت.
وبعدين قالت جملة صغيرة، لكنها كانت أقوى من أي صراخ إنت قلت إني بتمثّل.
تجمد في مكانه.
حاول يرد أنا أنا كنت غلطان.
لكن الكلمة كانت طالعة منه تقيلة، كأنه بيتعلم ينطقها لأول مرة.
مريم بصّت بعيد عنه، ومارجعتش تتكلم.
ساعتها أنا فهمت حاجة الألم مش بس
خرجنا من المستشفى بعد يومين.
الطريق للبيت كان مختلف.
مش بس لأن مريم كانت أهدى لكن