اعتنيت بجارتي العجوز اللي عندها ٨٥ سنة عشان الورث…
رقم واحد فقط
207 قلبت المفتاح بين صوابعي وأنا بحاول أفهم.
207؟
رقم شقة؟
خزنة؟
أوضة؟
رفعت عيني للمحامي بسرعة.
المفتاح ده بتاع إيه؟
تنهد وقال
الحاجة نعمات كانت بتدفع إيجار وحدة تخزين قديمة من سنين وما رضيتش تقول لحد فيها إيه.
وبعدين بصلي بنظرة غريبة وأضاف
غير إنها كانت تزورها كل شهر في نفس اليوم.
في نفس اليوم؟
اليوم اللي كانت بتستلم فيه آخر جواب من أمي؟
حسيت جسمي كله بيتنمل.
بعد ساعة كنت واقف قدام مبنى تخزين قديم في طرف المدينة.
ريحة الحديد والرطوبة مالية المكان.
الراجل اللي على المكتب أول ما شاف المفتاح سحب سجل قديم جدًا، وبصلي باستغراب.
دي الوحدة 207 محدش فتحها من أكتر من عشر سنين.
بلعت ريقي.
ومشيت وراه لحد آخر الممر.
وقف قدام باب معدني صغير.
لفيت المفتاح
والباب فتح بصوت صرير طويل كأنه صاحي من النوم.
في الأول ما شفتش غير تراب وصناديق.
لكن لما دخلت أكتر، لقيت حاجة خلت نفسي يتقطع.
أوضة كاملة
متحضرة لطفل.
سرير صغير.
ألعاب.
هدوم أطفال مترتبة بعناية.
حتى على الحيطة كان فيه رسمات كرتون باهتة من الزمن.
كأن حد كان مستني طفل ييجي وماجاش أبدًا.
قربت ببطء.
وفي زاوية الأوضة كان فيه صندوق خشب أبيض.
فوقه صورة.
امرأة صغيرة جدًا في السن
شايلة رضيع ملفوف ببطانية زرقا.
أنا.
يدي غطت بوقي من الصدمة.
أمي.
دي أول مرة أشوف وشها.
كانت ملامحها مرهقة وخايفة لكن عينيها؟
كانوا نفس عينيّ بالضبط.
انهرت على ركبتي.
كل عمري كنت بتخيل إنها رمتني ومشيت بدون ما تبص وراها.
لكن الصورة كانت بتحكي حاجة تانية.
كانت باصة للكاميرا وهي بتبكي.
وكأن قلبها بيتقطع.
فتحت الصندوق بإيد مرتعشة.
لقيت عشرات الجوابات.
كلهم باسمي.
إلى كريم لما يتم سنة.
إلى كريم أول يوم مدرسة.
إلى كريم
أمي كانت بتكتبلي رسائل لكل مرحلة في حياتي
حتى وهي بعيدة.
فتحت أول جواب بسرعة.
يا حبيبي
لو بتقرأ ده، يبقى أنا غالبًا فشلت أرجعلك.
بس أقسم بالله ما سيبتك عشان ما بحبكش.
أنا سيبتك عشان كانوا هيقتلوك معايا.
وقفت أنفاسي.
كمّلت وأنا بعيط.
عرفت إن جدي كان راجل غني ومرعب.
وإن أمي حملت من شاب فقير دخل السجن ظلم.
ولما عرفوا بحملها، هددوها يا إما تتخلص مني يا إما يخلصوا علينا إحنا الاتنين.
هربت.
واستخبت.
وحاولت ترجع تاخدني فعلًا.
لكن في آخر رسالة
كتبت جملة كسرتني
أنا مريضة يا كريم ولو ما لحقتش أشوفك، أوعى تفتكر يوم إني ما حبتكش.
وفي ظرف صغير آخر الصندوق
كان فيه تقرير وفاة.
اسمها سلوى عبد الرحيم.
تاريخ الوفاة
بعد ٣ سنين فقط من تركي.
أمي ماتت
وهي بتحاول ترجعلي فضلت قاعد على أرض الوحدة 207 لساعات.
الجوابات حواليا
وصورة أمي في حضني.
حاسس إني طفل صغير اتأخر عليه الحضن عمر كامل.
كل حاجة كنت مصدقها عن نفسي طلعت غلط.
أنا ما كنتش الطفل اللي محدش عايزه.
أنا كنت الطفل اللي حد حاول ينقذه وفشل.
وسط الجوابات، لقيت دفتر صغير للحاجة نعمات.
فيه مواعيد، وعناوين، وملاحظات بخطها المرتعش.
وفي صفحة متنية من النص مكتوب
راقبته من بعيد أول يوم مدرسة.
اتخانق مع ولد أكبر منه ودافع عن نفسه.
ضحك لأول مرة وهو عنده ١٢ سنة.
شهقت.
الحاجة نعمات
ما سابتنيش يوم واحد فعلًا.
كانت تتابعني طول السنين دي كلها.
وفي آخر صفحة، لقيت عنوان جديد.
وتحته جملة قصيرة
لو كريم سامح أمه يومًا يروح هنا.
العنوان كان لمقبرة صغيرة خارج المدينة.
روحت ثاني يوم.
الدنيا كانت شتاء وساكتة بشكل يوجع.
فضلت أدور بين القبور لحد ما لقيت اسمها.
سلوى عبد الرحيم.
ركبي خانتني.
قعدت قدام القبر
وحكيتلها كل حاجة.
إزاي كبرت.
وإزاي كنت بكرهها من غير ما أعرفها.
وإزاي كنت مستني حد يختارني طول عمري.
وبعدين طلعت صورة كانت في الصندوق، وسندتها على شاهد القبر.
وقلت بصوت مكسور
أنا جيت يا أمي متأخر، بس جيت.
وفجأة سمعت صوت خطوات ورايا.
لفيت بسرعة.
ولقيت راجل كبير واقف بعيد، متكّي على عصاية.
كان مركز في القبر بصدمة واضحة.
وبعدين بصلي
وشه اتسحب لونه بالكامل.
همس
مستحيل
قلبي دق بعنف.
الراجل قرب خطوة.
وعينيه مليانة دموع.
وقال بصوت مرتجف
إنت ابن سلوى؟
اتجمدت مكاني.
هزيت راسي ببطء.
الرجل غمض عينيه كأنه بيتلقى ضربة.
ثم قال جملة قلبت الدنيا مرة تانية
أنا أبوها.
جدي.
الراجل اللي كنت متخيله وحش طول عمري
كان واقف قدامي بيبكي.
بصيتله بغضب تلقائي.
إنت السبب في كل اللي حصل.
هز راسه وهو بيعيط.
عارف.
كنت مستني ينكر.
يبرر.
يصرخ.
لكنه قال بهدوء موجوع
كنت جبان وخفت من كلام الناس أكتر ما خفت على بنتي.
الكلمة دي ضربتني.
جبان.
نفس الكلمة اللي اتقالت عن أبويا الحقيقي.
كأن الخوف كان مرض بيتوارث في العيلة.
مد إيده المرتعشة ليا.
وقال
كل يوم من ٣٠ سنة وأنا باجي هنا أستنى فرصة ربنا يسامحني فيها يمكن جات على إيدك بصيت لإيده الممدودة
وما عرفتش أعمل إيه.
جزء مني كان نفسه يصرخ في وشه.
يقوله إنه قتل أمي بالخوف والعار والتهديد.
وإن طفولتي كلها كانت عقاب لغلط ما عملتوش.
لكن جزء تاني
شاف راجل عجوز مكسور، واقف لوحده قدام قبر بنته من تلاتين سنة.
قلت ببرود
اسمك إيه؟
رد بصوت متعب
عبد الرحيم.
الاسم حسّيته غريب رغم إنه اسمي الحقيقي من ناحية الدم.
مشيت ناحيته خطوة.
وأبويا؟
غمض عينيه لحظة طويلة.
خرج من السجن بعد موت أمك بسنة ودور عليك لحد
اتنفست بسرعة.
اختفى يعني إيه؟
طلع من جيبه ورقة قديمة جدًا، مطوية عشرات المرات.
سلوى بعتتلي الجواب ده قبل ما تموت وأنا ما قدرتش أفتحه غير بعدها بسنين.
خدت الورقة بإيد مرتعشة.
وكان خط أمي.
بابا
لو كريم رجعلك يومًا، قوله إن أبوه ما كانش مجرم.
هو دخل السجن لأنه ضرب ابن عمّي لما حاول يلمسني غصب.
وأقسم بالله كان أشرف راجل عرفته.
وقفت القراءة وأنا مش قادر أتنفس.
كل عمري كنت فاكر إن أبويا مجرم وسيّبني.
لكن
الحقيقة؟
كان بيحاول يحمي أمي.
كمّلت.
هو ما يعرفش إني حامل أصلًا.
ولما خرج من السجن، كانوا قالوله إني مت.
الورقة وقعت من إيدي.
يعني أبويا الحقيقي عاش وهو فاكر إن الست اللي بيحبها ماتت من غير ما يعرف إن عنده ابن.
عبد الرحيم قرب مني بحذر.
دورت عليه بعد سنين بس كان اختفى تمامًا.
ضحكت بمرارة.
طبعًا. كل واحد في الحكاية دي اختفى.
سكتنا.
الهواء كان بارد جدًا.
وفجأة مدلي حاجة صغيرة من جيبه.
سلسلة فضة قديمة.
فيها حرف ك.
أمك كانت محتفظالِك بيها وأنا خبيتها بعد موتها.
أخدتها وأنا حاسس إن صدري بيتكسر حتة حتة.
ثم قال بهدوء
تعالى معايا البيت في حاجة لازم تشوفها.
في البداية رفضت.
لكن فضولي كان أقوى.
ركبت معاه العربية القديمة، وبعد نص ساعة وصلنا لبيت ضخم جدًا لكنه حزين بشكل غريب.
كأن محدش ضحك فيه من سنين.
أول ما دخلت، الخدم كلهم بصوا لي بصدمة.
واحدة منهم شهقت وقالت
شبه الست سلوى بالحرف
عبد الرحيم طلعني للدور التاني.
ووقف قدام أوضة مقفولة.
إيده كانت بتترعش وهو بيفتح الباب.
وقال
بعد ما بنتي ماتت ما دخلتش الأوضة دي غير مرة واحدة.
الباب اتفتح ببطء
وحسيت قلبي وقف.
الأوضة كانت متجمدة في الزمن.
صور أمي.
هدومها.
كتبها.
ريحة عطر خفيفة كأنها لسه خارجة
لكن أكتر حاجة شلت أنفاسي
كانت صورة كبيرة معلقة فوق السرير.
شاب واقف جنب أمي ويضحكوا سوا.
شاب ملامحه قريبة مني جدًا.
وعلى إطار الصورة مكتوب بقلم قديم
سلوى ويوسف صيف ١٩٩٥.
يوسف.
أبويا الحقيقي.
ولأول مرة في حياتي
شفت وشه.