لسنواتٍ خنتُ زوجتي وكنتُ أُقسم لنفسي أنها لا تشكُّ في شيء.

لمحة نيوز

إنتِ اللي كنتِ ساكتة! كنتِ عايشة معايا عادي!
ابتسمت ابتسامة قصيرة، لكنها كانت أقسى من الصراخ.
عادي؟
وأنت كل يوم راجع من شغل متأخر وكل يوم تليفونك مقفول وكل مرة أكتشف حاجة وأقول يمكن أكون غلطانة؟
سكتت لحظة، ثم أضافت
أنا ما كنتش ساكتة عشان غافلة أنا كنت ساكتة عشان كنت بجمع كل حاجة.
شعرتُ أن أنفاسي بدأت تتسارع.
تجمعي إيه يعني؟! إنتِ كنتِ بتراقبيني؟!
هزت رأسها بهدوء
لأ كنت بجهّز نفسي.
ثم مدت يدها إلى درج صغير بجانبها، وأخرجت دفترًا صغيرًا.
فتحته أمامي.
صفحات مليانة ملاحظات تواريخ أسماء فنادق أوقات مكالمات حتى صور قديمة التُقطت لي من بعيد.
رفعتُ عيني بصدمة
إنتِ كنتِ بتعملي ده كله؟
قالت ببساطة قاتلة
كنت بقرر إمتى النهاية مش إمتى الحقيقة.
ثم وقفت فجأة، واقتربت مني خطوة واحدة فقط، وقالت
أما الرجل اللي شُفتني معاه في المقهى
توقفت.
قلبي انقبض بدون سبب واضح.
ده محامي.
سكتت لحظة ثم أكملت
محامي الطلاق.
شعرتُ أن الغرفة تدور.
حاولت أتماسك، فقلت بسخرية ضعيفة
ومحامي الطلاق ماسك إيدك؟! صدفة جميلة يعني!
هزت رأسها
لا، مش صدفة.
ثم أخرجت ورقة أخرى من الملف.
وقربتها مني.
دي تنازل رسمي منك عن كل حقوقي المالية إمضتك عليها.
حدقتُ في الورقة.
الإمضاء تشبه إمضائي فعلًا.
لكنني لم أذكر أنني وقّعت شيئًا كهذا.
رفعتُ رأسي ببطء، والشك بدأ يأكلني
أنا ما وقّعتش ده!
قالت
بهدوء شديد
لا وقّعت.
ثم أضافت جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي
يوم ما رجعتَ من السفر آخر مرة كنتَ فاكر نفسك بتوقّع أوراق عادية من المحامي بتاعك.
سكتُّ.
تذكرتُ يومها.
السكر الخفيف في رأسي.
العجلة.
الملفات الكثيرة.
وثقتي العمياء أن كل شيء تحت السيطرة.
ابتسمت نور أخيرًا، لكن هذه المرة كانت ابتسامة مختلفة حزينة أكثر من كونها منتصرة.
وقالت
أنا ما خنتكش أنا بس كنت عايشة مع الحقيقة قبل ما أنت تصحى عليها.
اقتربتُ منها فجأة وقلت بانفعال
يعني إيه؟! عايزة إيه دلوقتي؟! فلوس؟! فضيحة؟!
نظرت إليّ طويلًا ثم قالت الجملة التي أسقطت كل شيء
أنا عايزة أعيش من غيرك.
وفي تلك اللحظة
رن هاتفها على الطاولة.
نظرت إليه، ثم نظرت إليّ.
وقالت بهدوء
المحامي وصل تحت.
ثم التفتت نحو الباب.
لكن قبل أن تخرج، توقفت لحظة وكأنها تتذكر شيئًا أخيرًا.
وقالت دون أن تنظر إليّ
بالمناسبة الرجل اللي شُفتني ماسكة إيده كان بيقولك حاجة.
سألتُ بسرعة، بصوت مبحوح
بيقول إيه؟!
صمتت ثانيتين
ثم قالت
كان بيقول إحنا عارفين كل حاجة من زمان بس كنا مستنيينك أنت اللي تبدأ النهاية.
ثم خرجت.
وأُغلق الباب خلفها.
لكن ما لم أكن أعرفه بعد
أن الظرف الأبيض لم يكن النهاية.
بل كان مجرد البداية فقطوقفتُ وحدي في الصالة، والباب ما زال يهتزّ اهتزازًا خفيفًا كأنه لم يصدق أنها خرجت فعلًا.
النهاية؟
الكلمة كانت تدور في
رأسي كطاحونة نار.
اقتربتُ من الباب بسرعة وفتحته بعنف.
السلم كان فارغًا.
لا نور لا محامي لا خطوات.
فقط صدى جملتها الأخيرة يضرب في صدري
كنا مستنيينك أنت اللي تبدأ النهاية
رجعتُ للداخل وأنا أحاول أتماسك، لكن كل شيء بدا مختلفًا الآن. البيت نفسه كأنه فقد ملامحه. الصور على الجدران، رائحة المكان، حتى الصمت كان غريبًا.
نظرتُ إلى الطاولة.
الملف الأزرق ما زال مفتوحًا.
والورقة ورقة الطلاق كأنها تنظر إليّ.
لكن عيني وقعت على شيء لم ألاحظه قبل قليل.
مغلف صغير آخر كان داخل الظرف الأبيض.
لم تكن نور قد ذكرته.
فتحته بسرعة هذه المرة، بلا تفكير.
ورقة واحدة.
لكن ليس طلاقًا هذه المرة كانت تقريرًا.
تقرير طبي.
قرأت السطر الأول فقط فتوقفت أنفاسي تمامًا.
نتائج فحص بتاريخ منذ أربعة أشهر
تحتها مباشرة
حالة الحمل سلبي.
تجمدت.
ثم واصلت القراءة بسرعة، وكأن عقلي يرفض التصديق.
إعادة الفحص
نفس النتيجة
اضطراب هرموني ناتج عن ضغط نفسي حاد
ضغط نفسي؟
رفعتُ رأسي ببطء.
بدأت الصورة تتغير داخل عقلي.
كل شيء كان مبنيًا على فكرة واحدة.
طفل كنتُ أظن أنه قادم.
طفل جعلني أفقد السيطرة وأحرق حياتي بيدي.
لكن لا طفل.
ولا حمل من الأساس.
فجأة شعرتُ بشيء أسوأ من الغضب.
شعرتُ أنني كنتُ أقاتل وهمًا صنعته بنفسي.
ثم جاء صوت الباب الخارجي مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن خيالًا.
ركضتُ نحو الشرفة بسرعة.

في الشارع أمام العمارة
كانت سيارة سوداء تقف.
ونور تفتح الباب الخلفي بهدوء.
لكن قبل أن تركب توقفت.
ونظرت للأعلى.
نظرة واحدة فقط.
لم تكن نظرة انتصار ولا شفقة.
كانت نظرة شخص انتهى منه كل شيء.
ثم قالت بصوتٍ لم أسمعه بوضوح، لكني قرأته من شفتيها
خلصت.
وأغلقت الباب.
تحركت السيارة.
ابتعدت.
وقفتُ في مكاني، كأن الأرض اختفت من تحتي.
لكن الأسوأ لم يكن رحيلها
الأسوأ أنني لأول مرة أدركت الحقيقة كاملة
أنا لم أخسرها اليوم.
أنا خسرتها في كل يوم كنت أظن أنها لا ترى شيئًا.
وفجأة
رنّ الهاتف في جيبي.
رقم مجهول.
ترددت.
ثم أجبت.
جاءني صوت هادئ جدًا من الطرف الآخر
حضرتك رامي؟
أيوه.
صمت ثانيتين
ثم الجملة التي أسقطتني تمامًا
حضرتك مطلوب في قضية بلاغ من السيدة نور بتهمة تهديد، وإيذاء نفسي، وتوثيق أدلة خيانة زوجية.
سكتُّ.
فأكمل الصوت
ويُرجى الحضور خلال 24 ساعة لأن كل الأدلة متجهة بالفعل للنيابة.
انتهت المكالمة.
وبقيتُ واقفًا في منتصف الصالة
أول مرة في حياتي
أشعر أنني لستُ فقط خاسرًا.
بل متأخر جدًا عن فهم اللعبة كلها وقفتُ في مكاني، والهاتف ما زال في يدي وكأنّه قطعة حديد محمّاة.
قضية؟
الكلمة لم تكن مجرد خبر كانت بوابة لشيء أكبر بكثير مما كنتُ أتخيل.
جلستُ على أقرب كرسي، لكنني لم أستطع الجلوس فعليًا. جسدي كله كان مشدودًا، كأن الأعصاب وحدها هي التي تتحرك.
حاولتُ أن
أسترجع نفسي
تهديد؟ إيذاء نفسي؟ أدلة خيانة؟
أنا لستُ مجرد زوج أنا الآن ملف كامل في مكان ما.
قمتُ فجأة.
لا لن أنتظر 24 ساعة.
فتحتُ درج المكتب بسرعة أبحث عن أي شيء
تم نسخ الرابط