ـبقولك ايه انا عايزه خدامه أنا مابقتش قادره على الخدمه

لمحة نيوز

فضلت واقف قدام شقتها يمكن عشر دقايق، مش قادر أتحرك.
أول مرة أحس إن كلمة بسيطة ممكن تكسر راجل بالشكل ده: “سامحت… بس مستحيل أرجع.”
رجعت البيت لقيت أمي قاعدة لوحدها في الصالة، أول ما شافتني فهمت من وشي.
قالت بحزن: ـ رفضت؟
هزيت راسي وأنا ساكت.
أمي سكتت شوية وبعدين قالت: ـ تستاهل يا ابني… البنت دي دخلت بيتنا مكسورة وخرجت منه أقوى مننا كلنا.
عدّت الشهور…
هنا مشروعها كبر جدًا، وبقت معروفة في المنطقة كلها. حتى إن الناس كانت تحجز أكل قبلها بأيام.
وفي يوم بالصدفة شفت إعلان كبير عليه صورتها: “مطابخ هنا الشرقية — تجهيز حفلات ومناسبات”.
وقفت أبص للصورة وأنا مش مستوعب إن الست اللي كنا بنعاملها كخدامة… بقت صاحبة شغل وناس بتشتغل عندها.
أما أنا… فحياتي كانت واقفة مكانها.
لا عرفت أرتبط، ولا قدرت أنسى.
وفي ليلة، أمي قالتلي: ـ أنا عايزاك تروح معايا فرح.
سألتها: ـ فرح مين؟
بصتلي بتردد: ـ هنا.
حسيت قلبي وقع.
عرفت بعدها إن في راجل اتقدم لها… دكتور أرمل وعنده بنت صغيرة، وكان معروف باحترامه.
يوم الفرح روحت غصب عني علشان أمي.
ولما دخلت القاعة… شفت هنا بفستان بسيط جدًا، بس كانت أجمل من أي مرة شوفتها فيها.
كانت بتضحك بصدق… الضحكة اللي عمرها ما ضحكتها معانا.
ولأول مرة استوعبت إننا عمرنا ما اديناها أمان يخليها سعيدة.
وأثناء الفرح، بنت صغيرة جريت عليها وهي بتقول: ـ ماما هنا!
هنا شالتها وباستها بحنان، والعريس كان واقف بيبصلها بفخر
واضح.
أمي وقتها دمعت وقالتلي: ـ شوفت؟ البنت اللي قولنا عليها ناقصة… ربنا عوضها ببيت أحسن من بيتنا.
بعد الفرح، وأنا خارج… هنا نادت عليا.
لفّيت باستغراب.
قربت مني وقالت بهدوء: ـ متزعلش… يمكن اللي حصل كان لازم يحصل علشان كل واحد فينا يعرف قيمته.
ابتسمت ومشيت.
وساعتها بس فهمت… إن الحب مش إنك تلاقي حد يخدمك.
الحب إنك تلاقي حد يستحق إنك تخاف على قلبه… قبل ما تخسره بإيدك.مرّت سنة كاملة بعد جواز هنا…
وأنا بقيت مجرد متفرج من بعيد.
كل فترة أسمع عنها من أمي: ـ “هنا بعتت دوا.” ـ “هنا جابتلي دكتور.” ـ “هنا عزمتني أقعد عندها كام يوم.”
رغم كل اللي عملناه فيها… عمرها ما قطعت خيرها.
وفي يوم أمي تعبت جدًا، والدكتور قال إن لازم عملية بسرعة.
كنت وقتها داخل في أزمة شغل وفلوسي كلها متعطلة، وقاعد أحسب هعمل إيه.
وفجأة لقيت أمي بتقولي: ـ هنا دفعت عربون العملية.
اتصدمت: ـ إيه؟!
قالت وهي متأثرة: ـ قالتلي ماينفعش خالتي تتعب وأنا أتفرج.
روحتلها المستشفى وأنا حاسس بخجل عمري ما حسيت بيه.
لقيتها واقفة مع جوزها الجديد، ولما شافتني قالت بهدوء: ـ اطمن… العملية هتتم.
قولتلها: ـ ليه بتعملي كل ده بعد اللي حصل؟
بصتلي شوية وقالت: ـ علشان أنا مش شبهكم.
الكلمة نزلت عليا زي الصفعة.
بعد العملية بأيام، أمي طلبت تشوف هنا لوحدها. وساعتها أمي قالتلها وهي بتعيط: ـ يا بنتي سامحيني… أنا ضيعتك من ابني.
هنا باست راسها وقالت: ـ النصيب يا خالتي… يمكن لو
كنت فضلت هنا، عمري ما كنت هعرف قيمتي.
الكلام فضل يرن في دماغي أيام.
“عمري ما كنت هعرف قيمتي…”
لأن الحقيقة إننا طول الوقت كنا بنشوفها أقل مننا… وهي كانت أكتر إنسانة فينا عندها أصل.
وبعد شهور، أمي ماتت.
وفي العزا… كانت هنا أول واحدة واقفة جنبي.
تنظم الناس، تستقبل المعزين، وتقرأ قرآن جنب أمي كأنها بنتها فعلًا.
وفي آخر اليوم، بعد ما الناس مشيت، قلتلها: ـ انتي إنسانة عظيمة يا هنا.
ابتسمت بحزن وقالت: ـ لا… أنا بس اتعلمت إن القسوة اللي بنشوفها ماينفعش نردها بقسوة شبهها.
وسابتني ومشيت مع جوزها وبنته الصغيرة.
وأنا واقف أبص عليهم… حسيت إني لأول مرة أفهم معنى الخسارة الحقيقي.
مش خسارة زوجة… ولا بيت…
خسارة إنك تقابل شخص نضيف بجد… وتتعامل معاه كأنه شيء عادي، لحد ما يروح منك للأبد.بعد وفاة أمي…
البيت بقى فاضي بطريقة مرعبة.

أول كام يوم كنت بدخل أوضتها تلقائي، أفتكر إني هلاقيها قاعدة تنادي: ـ “هنا بعتت الأكل؟”

لكن مفيش صوت…
ولا حد.

حتى نهلة اختفت تمامًا من حياتي، اتنقلت محافظة تانية واتجوزت واحد غني، وسمعت بعدين إن الجوازة ماكملتش هي كمان.

أما أنا… فبقيت أرجع من الشغل وأنام بالساعات، كأني بهرب من نفسي.

وفي يوم، وأنا بفتح دولاب أمي علشان أطلع هدومها للصدقة… لقيت ظرف صغير عليه اسمي.

فتحته…

كان جواب بخط أمي.

“يا ابني…
لو بتقرأ الجواب ده يبقى أنا خلاص مشيت.
وعايزاك تعرف إن أكتر ذنب شايله وأنا ماشية… هو ظلمنا لهنا.

البنت دي عمرها ما كانت ناقصة.
إحنا اللي كنا ناقصين رحمة.

أنا كنت فاكرة إن الست اللي تخدم وتسكت تبقى ضعيفة… لكن طلعت أقوى مننا كلنا.

ولو في يوم ربنا رزقك ببنت… أوعى تكسر قلبها زي ما كسرنا قلب هنا.”

قريت الجواب أكتر من مرة… وكل مرة كنت بعيط أكتر.

أول مرة أحس إن أمي نفسها ماتت وهي ندمانة.

عدّت شهور بعدها…

وفي يوم كنت معدّي قدام مطعم كبير جديد، لقيت الاسم: “بيت هنا”.

وقفت مكاني.

المكان كان مليان ناس، والعاملين لابسين يونيفورم عليه اسمها.

دخلت بهدوء… ولقيتها واقفة بتتابع الشغل.

أول ما شافتني اتفاجئت، بس ابتسمت بأدب: ـ اتفضل.

قولتلها وأنا ببص حواليا: ـ كل ده بقى بتاعك؟

قالت بابتسامة هادية: ـ الحمد لله… تعب السنين.

سكت شوية وبعدين طلعت جواب أمي من جيبي واديتهولها.

قرأته… ودمعت عينيها لأول مرة من سنين.

وقالت بصوت واطي: ـ خالتو كانت طيبة… بس كانت بتسمع كلام الناس أكتر من قلبها.

قولتلها: ـ وأنا كمان.

بصتلي شوية وقالت: ـ المهم إنك فهمت… حتى لو متأخر.

وفي اللحظة دي دخل جوزها وهو شايل بنت صغيرة… لكن المرة دي كان شايل طفل رضيع كمان.

ابتسم وهو بيقول: ـ هنا… الصغير نام.

خدت الطفل منه بحنان… والولد الصغير مسك في طرحِتها وهو بيضحك.

وقفت أبصلهم… وحسيت بشعور غريب.

مش غيرة… ولا حب…

كان إحساس أقرب للعقاب.

إنك تشوف الحياة اللي كان ممكن تبقى حياتك… بس بإيدك ضيعتها.

طلعت من المطعم بهدوء، وقبل ما أمشي

سمعتها بتنادي الكاشير: ـ الحساب ده على حسابي.

ابتسمت رغم الوجع…

لأن هنا، حتى بعد كل شيء، فضلت أرقى من القسوة اللي شافتها مننا.

تم نسخ الرابط