كنتُ قد انتهيتُ للتو من تنظيف حماتي المشلولة، عندما عاد زوجي “رامي” بعد ثلاث سنوات من العمل بالخارج.

لمحة نيوز

التفتُّ إلى حماتي
خدمتِك سنين طبختلك كل اللي طلبتيه عمرك سمعتي مني شكوى؟
ودلوقتي ولا واحد فيكم دافع عني بكلمة.
ساد الصمت فجأة.
حتى تمثيل البكاء توقف.
نظرتُ مباشرة إلى رامي وقلت
اسمعني كويس واجبي تجاه البيت ده انتهى النهارده.
أنا اتكسرت وتعبت. ومن النهارده سواء عشتوا أو موتوا ديان مبقاش فارق معاها.
ثم فتحتُ الباب
وخرجت.
ولأول مرة منذ سنوات
شعرتُ بالخفة.
أخرجتُ هاتفي واتصلتُ برقمٍ أعرفه جيدًا.
الحاجة سعاد
سيدة طيبة في منطقتنا، وابنها واحد من أكبر رجال الأعمال في القاهرة.
كانت دائمًا معجبة بتحملي للمسؤولية، وكيف أوازن بين خدمة أهل زوجي، وتربية طفلي، والعمل الجزئي.
وعرضت عليّ أكثر من مرة وظيفة مدبرة منزل مقيمة.
لكنني كنت أرفض
لأنني كنت أظن أن عندي بيتًا يجب أن أحافظ عليه.
أما الآن
فلم يعد لديّ شيء أخسره.
مين عاوز التكمله ؟لايك وصلو علي النبي وهرد عليكموقفتُ عند الباب الخارجي للحظة الهواء البارد لمس وجهي لأول مرة وكأنه بيغسل كل التعب اللي اتراكم جوايا.
على الطرف التاني من الخط، صوت الحاجة سعاد كان واضح إنتِ فين يا بنتي؟ صوتك مش طبيعي.
سكتّ ثواني ثم قلت بهدوء غريب أنا خلاص مش قادرة أكمل في البيت ده حضرتك عرضك لسه قائم؟
في لحظة، صوتها اتغير بجدية طبعًا قائم. تعالي دلوقتي حالًا البيت مفتوح لك.
واعتبري نفسك عندي من النهارده.
قفلت الخط.
وبدون ما أبص ورايا، مشيت.
في نفس اللحظة داخل البيت
رامي كان واقف في الصالة، ماسك الدفتر الأسود، لكن إيده كانت بترتعش لأول مرة.
ليلى قربت منه بخوف إنت هتعمل إيه؟ هي بتمثل أكيد مش هتمشي بجد.
ما ردش.
عينه كانت على الباب المفتوح.
على الصمت اللي سابه وراها.
حماته كانت لسه بتتمتم هترجع مستحيل تمشي بعد كل ده
لكن رامي كان بيبص للفراغ.
لأول مرة من سنين مفيش حد في البيت بيجري عليه.
بعد ساعة
البيت كان هادي بشكل مخيف.
ابنه الصغير خرج من أوضته وسأل فين ماما؟
مفيش حد رد.
حمايا قام يقفل التلفزيون بصمت.
وحماتي لأول مرة ما طلبتش حاجة.
لكن رامي كان واقف عند الشباك.
بيبص على الشارع.
يمكن تشوفها ترجع.
لكنها ما رجعتش.
في الجهة التانية
ديان وصلت بيت الحاجة سعاد.
باب كبير اتفتح لها.
وسعاد بنفسها استقبلتها، وشافت عينيها فورًا إنتِ كنتِ بتعيطي كتير بس واضح إنك قررتِ تقفي.
ديان هزت راسها بهدوء أنا مش جاية أشتكي أنا جاية أبدأ من جديد.
سعاد ابتسمت يبقى كده انتي في مكانك الصح.
مرّت أيام
في بيت رامي، الهدوء بدأ يتحول لقلق.
الأكل مش متجهز في معاده.
أمه بقت تعبانة أكتر من غير رعاية.
البيت اللي كان مليان خدمة بقى تقيل وصامت.
وهو لأول مرة بدأ يلاحظ حاجات كان بيعتبرها عادية مين
كان بينضف؟ مين كان بيرتب؟ مين كان بيشيل كل الحمل وهو مش حاسس؟
الدفتر الأسود فضل مفتوح لكن الأرقام فجأة بقت فاضية من المعنى.
في بيت سعاد
ديان كانت بتقف في مطبخ كبير، بتتعلم تنظيم شغل جديد، وبتاخد تدريب على إدارة بيت بشكل احترافي.
لكن الفرق المرة دي
إنها مش خدامة.
هي مديرة.
سعاد كانت بتقول لها اللي بيتكسر جوا الإنسان مش بيرجع زي الأول بس ممكن يبني نفسه أقوى.
ديان ما ردتش.
بس كانت بتسمع.
ولأول مرة ما كانتش خايفة.
وفي ليلة هادية
رامي قعد لوحده.
فتح دفتره.
بس المرة دي ما كتبش أرقام.
كتب جملة واحدة
أنا خسرت اللي ما كنتش فاهم قيمته.
وساب القلم.
وبص للباب اللي ما اتفتحش من يوم ما هي مشيت.
ولو عايزة أكمل لك اللي هيحصل بينهم بعد كدهرجوع؟ انتقام؟ ولا بداية مختلفة تمامًاقولي.
مرت أيام أخرى
لكن في بيت رامي، الأيام ما بقتش تمشي كانت بتتسحب ببطء ثقيل.
كل حاجة بدأت تنهار بشكل هادي، مش صاخب أسوأ نوع من الانهيار.
أمه بقت تعتمد عليه هو في كل حاجة، وهو اللي عمره ما كان بيعمل حاجة لوحده.
ابنه الصغير بقى يسأل كل يوم نفس السؤال ماما هترجع إمتى؟
وهو مفيش إجابة عنده.
في بيت الحاجة سعاد
ديان كانت بتتغير.
مش تغيير سريع لكن ثابت.
بتتعلم تدير بيت كبير، تتعامل مع موظفين، تنظم مصاريف، وتاخد قرارات.
لكن الأهم إنها بدأت
ترجع تضحك.
مش ضحكة كاملة بس أول شرارة.
وفي مرة، سعاد قالت لها وهي بتراجع أوراق عارفة إيه الفرق بينك وبين أي حد تاني؟
ديان بصّت لها إيه؟
سعاد ردت بهدوء إنك استحملتي لحد ما فقدتي نفسك وبعدين قررتي ترجعيها.
ديان سكتت وعينيها دمعت لأول مرة من غير وجع.
في نفس الوقت
رامي كان بيقعد كل ليلة قدام الدفتر الأسود.
بس الأرقام بقت تتحول لصورة واحدة في دماغه
إيدينها وهي بتغسل أمه.
ظهرها وهي شايلة المسؤولية لوحدها.
صوتها وهي بتقول أنا تعبت
وهو كان بيرد إنتِ جاحدة.
كان بيرددها في دماغه كأنها صفعة بترجعله هو.
وفي ليلة مطر
الجرس رن في بيت سعاد.
الخادمة فتحت الباب، وبعدين صوتها جاب من بعيد في حد عايز يقابل ديان.
ديان رفعت رأسها من الورق.
قلبها دق.
سعاد بصّت لها قولي عايزة تقابليه ولا لأ القرار ليكي.
سكتت ثواني طويلة.
وبعدين قالت بهدوء خليه يدخل.
بعد لحظات
رامي وقف عند باب البيت الكبير.
مبلول من المطر.
وشك مختلف مش نفس الرجل اللي كان بيصرخ.
أول ما شافها، ما تكلمش.
هي كمان ما اتحركتش.
سكون تقيل بينهم.
وبعدين قال بصوت مكسور لأول مرة أنا مش جاي أطلب رجوعك غصب
سكت.
كمل أنا جاي أقولك إن البيت اللي كنتِ شايلة كله وقع.
ديان نظرت له بهدوء وقع؟
هز رأسه وأنا اكتشفت إني كنت عايش فيه على تعبك ومش شايفه.
الصمت اتسحب بينهم
تاني.
هي قالت ببرود هادي وكنت شايفني إيه؟
رامي نزل عينه ولا حاجة وده كان أكبر غلط.
رفع عينه ليها أنا مش طالب تسامح أنا
تم نسخ الرابط