بنت مراتي الجديدة اللي عندها سبع سنين كانت بتنفجر في البكا كل ما نتوجع أو نقعد لوحدنا.

لمحة نيوز

بنت مراتي الجديدة اللي عندها سبع سنين كانت بتنفجر في البكا كل ما نتوجع أو نقعد لوحدنا. كل ما أسألها بحنية مالك في ايه؟، كانت بتهز راسها بس من غير ولا كلمة. مراتي كانت بتضحك وتقول هي ببساطة مش حباك. لحد ما جه يوم، ومراتي سافرت في رحلة شغل، البنت الصغيرة مدت إيدها جوه شنطة ظهرها، وطلعت حاجة، وهمست بابا... بص على ده. من اللحظة الأولى اللي شفت فيها الحاجة دي، أنا...
اسمي حازم.
أنا ممرض طوارئ في وحدة الحوادث والكسور في مستشفى القصر العيني، وبعد سنين من الشغل في طوارئ المستشفيات، اتعلمت إزاي أقرا الوجع زي ما الناس بتقرا الخرائط.
الدموع بتحكي قصة.
والرعشة بتكشف الخوف.
والسكوت دايماً بيبقى صوته أعلى وأقوى من الكلام.
بس مفيش أي حاجة اتعلمتها في تدريبي جهزتني للي شفته لما دخلت بيت فريدة المنشاوي، البيت القديم المبني على الطراز الكلاسيكي في شارع شريف.
حسيت إن في حاجة غلط من أول ثانية خطيت فيها عتبة الباب.
مش حاجة دايماً بتبقى واضحة أو خطيرة.
بس... حاجة مش مظبوطة.
أنت هتقعد معانا؟ ولا هتمشي قريب؟ ده كان سؤال هنا ليا، يوم ما نقلت حاجتي وجيت ع البيت.
كانت واقفة عند الطرقة وضامة كشاف صغير على صدرها.
نزلت لمستواها وقلت لها بابتسامة أنا هقعد ومش هسيبكم، أنا بقيت جوز مامتك دلوقتي.
فضلت تبص

في عيني لثواني طويلة من غير ما تنطق.
وبعدين هزت راسها وبس.
المشهد الثاني
عدى تلات أسابيع.
فريدة كانت مثال للست الكاملة؛ رقة، وشياكة، وحنية.
أما هنا ففضلت بعيد.
ساكتة.
وحذرة.
لحد ما فريدة سافرت عشان تحضر مؤتمر شغل في الإسكندرية.
وهنا كل حاجة اتغيرت.
في أول ليلة، هنا قعدت جنبي على الكنبة وكان التلفزيون شغال وصوته واطي في الخلفية.
وفجأة، لمحت الدموع نازلة من على وشها في صمت تام.
قربت منها وقلت لها براحة مالك يا حبيبتي؟ في ايه؟
فضلت تبص للتلفزيون وقالت ماما بتقول إنك هتمشي.
معدتي اتعقدت من الكلمة وقلت إيه؟! ليه بتقول كده؟
صوت هنا كان يدوب مسموع وهي بتقول بتقول إن كل الرجالة بيمشوا بسببي عشان أنا بعمل مشاكل كتير.. وبتقول إنك أول ما تعرف حقيقتي، هتمشي أنت كمان وتسبنا.
لفيت ليها بالكامل عشان تبص في عيني وقلت هنا، اسمعيني كويس.
سكتت وبصتلي.
أنا شغلي كله مع الناس التعبانة واللي متبهدلة من الحوادث، شفت وجع في حياتي معظم الناس متستحملش حتى تتخيله، وعمري في حياتي ما سبت حد محتاج مساعدة ومشيت.
للحظة، شفت في عينيها لمعة تانية خالص.
لمعة أمل.
بس اللمعة دي اختفت بسرعة زي ما ظهرت.
المشهد الثالث
في الليلة دي، بعد نص الليل، سمعت صوت عياط مكتوم ومكتوم أوي جاي من ورا الحيطة.
دخلت الأوضة لقيت هنا
لافة نفسها وكشة في السرير.
قعدت جنبها وسألتها بهدوء مش عايزة تقولي لي إيه اللي بيوجعك؟
جسمها كله اتشنج وقالت مش هقدر.
ليه يا هنا؟
بدأت تترعش جامد وقالت ماما قالت لي لو قلت، النار هتيجي وتأكل كل حاجة.
الكلمات دي خلت قشعريرة باردة تمشي في جسمي كله.
نار إيه يا هنا؟ تقصدي إيه؟
منطقتش ولا كلمة تانية.
المشهد الرابع
بعد يومين، فريدة رجعت البيت.
الابتسامة المرسومة على الوش.
والقعدة المظبوطة.
والهدوء اللي ملوش مثيل.
وإحنا بناكل، خبطت بالسكينة بشكل حاد على طبقها وهي بتبص لهنا.
وقالت بصوت ناعم كل حاجة مشيت تمام في غيابي؟ مفيش أي نكد أو عياط حصل؟
صوابع هنا اتشدت جامد على الشوكة اللي في إيدها وقالت لا يا ماما، كلو تمام.
الكدبة كانت واضحة وتقيلة في وسطنا.
الخوف هو اللي كان بيتكلم مش هنا.
تاني يوم الصبح، كنت بساعد هنا تلبس الجاكيت بتاعها قبل ما تنزل المدرسة.
فجأة لقيتها اتنفضت ورجعت لورا بخوف.
قلت لها براحة اثبتي يا حبيبتي، أنا بس هظبطه الكم.
رفعت كم الجاكيت لفوق.
والدنيا كلها وقفت في عيني.
أربع علامات زرقا بيضاوية واضحة في دراعها اليمين من فوق.
وعلامة خمسة أكبر ضاغطة في الناحية التانية.
مكان صباع إبهام.
العلامات كانت واضحة ومقصودة.
البصمة اللي مستحيل تغلط فيها العين إيد شخص بالغ، ماسك طفل
بقوة وعنف غريبوقفت مكاني لحظة، كأن الهواء اتسحب من الأوضة كلها.
علامات إيد كبيرة ضغط واضح، مش خبطة عابرة ولا لعبة أطفال. كانت آثار مسك بعنف، كأن حد حاول يثبتها مكانها غصب عنها.
رفعت عيني لهنا لقيتها بتبص في الأرض فورًا، إيديها الصغيرة بتترعش وهي بتشد كم الجاكيت لتغطي ذراعها.
هنا مين لمس دراعك كده؟
سكتت.
سكتة طويلة لدرجة إنها كانت أعلى من أي إجابة ممكنة.
وبعدين همست، بصوت مكسور ماما قالتلي ما أقولش
جملة واحدة بس، كفيلة تخلي كل حاجة جوايا تتقلب.
مش بس خوف ده نمط. تحذير متكرر. طفل متبرمج على الصمت.
قعدت قدامها على مستوى عينيها، وبصوت هادي أوي قلت هنا مفيش نار هتيجي. ومفيش حاجة هتحصل لو قولتي الحقيقة. إنتِ في أمان هنا دلوقتي.
عينيها رفّت، كأن الكلمة أمان نفسها كلمة غريبة عليها.
بس لسه كانت خايفة خوف أعمق من الكلام.
سحبت نفس صغير وقالت هو بيزقني في الأوضة لما ماما بتخرج ويقول إن لو قولتلك هتروح النار
المرة دي ماقدرتش أرد بسرعة.
لأن الجملة مش بس اعتراف دي خريطة كاملة لبيت فيه حاجة غلط بقالها وقت.
رفعت إيدي بهدوء على كتفها هنا، اللي بيحصل ده مش صح ومش ذنبك.
سكتت ثانية، وبعدين فجأة دموعها نزلت مرة واحدة، كأن حد فتح صنبور كان مقفول بقاله سنين.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت الباب الخارجي
بيتفتح.
مفتاح بيتحط في القفل.
فريدة رجعت بدري.
بصيت لهنا وبصيت للباب وإيدي لسه على
تم نسخ الرابط