أنا كنت فاكرة إن طارق وأنا مالناش زي، وإن علاقتنا مفيش أقوى منها.
أسمع.
سكت.
وبعدين كمل
أنا كنت فاكر إني ببدأ حياة جديدة بس اكتشفت إني كنت بهرب من مسؤوليتي القديمة.
أنا ما قاطعتهوش.
لأني كنت محتاجة أسمع حتى لو الكلام متأخر.
بعد دقيقة صمت، سألته
إنت عايز إيه دلوقتي؟
بص لي وقال
أكون أب مش صورة أب.
سكت ثانية.
مش هطلب حاجة زيادة بس عايز فرصة أشوفهم وأصلح اللي أقدر عليه.
كنت عارفة إن الإجابة مش سهلة.
مش لأني قاسية
لكن لأن أي قرار هنا مش بيأثر عليا أنا بس.
بيأثر على طفلين.
بعد لحظة طويلة قلت
في شروط.
هز راسه بسرعة
أي حاجة.
قلت بهدوء
مفيش كذب. مفيش غياب من غير سبب. ومفيش وعد يتكسر.
سكت.
وبعدين قال
موافق.
أول زيارة كانت غريبة.
البنات كانوا بيتفرجوا عليه كأنه حد غريب وهو نفسه كان بيتعامل بحذر، كأنه خايف يبوظ حاجة باللمس.
لكن مع الوقت
بدأت حاجة صغيرة تتغير.
ضحكة هنا.
حضن متردد هناك.
وفي مرة وهو ماشي، وقف عند الباب وقال
أنا مش عايز أرجعك لحياتي أنا عايز أكون جزء من حياتهم بس.
هزيت راسي.
لأول مرة ما حسّيتش بوجع.
ولا انتصار.
بس حسّيت بحاجة أهدى
إن الجرح مش لازم يفضل مفتوح عشان نعرف نكمل.
وإحنا واقفين عند الباب
بصيت لبناتي اللي كانوا بيضحكوا معاه من بعيد
وهمست لنفسي
مش كل الحكايات لازم تنتهي بعودة بعض الحكايات بتنتهي بسلام.
وقفلت الباب بهدوء.
مش
لكن على مرحلة كاملة الهدوء اللي دخل البيت بعد كده ماكنش فجأة كان زي ترميم بطيء لحاجة كانت متكسرة من غير صوت.
الأيام بقت تمشي بشكل مختلف.
فيه روتين ثابت شغل، حضانة، ضحك صغير بيكبر يوم عن يوم وزيارات طارق اللي بقت جزء من المشهد، مش حدث استثنائي.
لكن الأهم من كل ده إني أنا اتغيرت.
ما بقيتش أستنى كلمة من حد عشان أصدق نفسي.
في مرة من المرات، طارق جه بدري شوية.
كان باين عليه إنه مش بس جاي يشوف البنات كان جاي عشان يتكلم.
قعدنا في الصالة، البنات كانوا بيلعبوا على الأرض.
قال بصوت هادي
أنا بدأت جلسات علاج نفسي.
بصيت له من غير رد.
كمل
عشان أفهم أنا ليه كنت بهرب وليه كنت بأذي ناس بحبها من غير ما أحس.
سكت لحظة.
وبعدين قال
أنا مش طالب مسامحة أنا بس عايز أبقى أب ما يكسّرش بناته زي ما كسر ناس قبلهم.
الجملة دي وقفتني شوية.
مش لأنها جديدة
لكن لأنها صادقة بشكل متأخر جدًا.
سهر جت تركض وقعدت على رجله فجأة
بابا هتلعب معايا؟
ابتسم لأول مرة بصدق، وقال
أيوه طبعًا.
وفي اللحظة دي، رضعات جت وقفت تبص له، وبعدين ضحكت.
صوت ضحكتهم مع بعض كان غريب عليا لكنه مش مؤلم.
بعد ما البنات ناموا
هو وقف عشان يمشي.
بس قبل ما يفتح الباب، وقف وقال
إنتِ قوية أكتر مما كنت فاكر.
ابتسمت ابتسامة صغيرة
مش قوية
هز راسه.
وأنا اتعلمت إني ما كنتش إنقذ حد كنت ببعد عن نفسي.
وسكت.
بعد ما خرج
قفلت الباب بهدوء.
مش قفلة غضب.
ولا قفلة نهاية.
دي كانت قفلة فهم.
قعدت على الكنبة، بصيت للبنات وهما نايمين
وحسّيت لأول مرة إن حياتي مش مبنية على ردود أفعال ولا صدمات
لكن على اختيار.
اختيار إني أكمّل.
بسلام.
مش نسيان
لكن تعايش.
وهمست لنفسي
مش كل الوجع بيختفي بس ممكن يتربّى لحد ما ما يبقاش هو اللي بيسوقنا.
وساعتها بس
حسّيت إن القصة دي أخيرًا ابتدت تهدى الهدوء اللي استقر في البيت ماكنش ثابت زي ما كنت فاكرة كان هدوء قابل للكسر طول الوقت، بس اتعلمنا نعيش معاه.
سهر ورضعات كبروا أكتر، وبقوا بيسألوا أسئلة صغيرة تقطع القلب من غير ما تقصد
بابا هييجي إمتى؟
هو ليه مش عايش معانا؟
وأنا كنت بتعلم أجاوب من غير ما أجرح حد ولا أهرب من الحقيقة.
في يوم شتا، الباب خبط خبطتين بس.
فتحت.
كان طارق، بس المرة دي مش لوحده.
كان شايل كيس أدوية، ووشه باين عليه تعب غير طبيعي.
ممكن أدخل؟ أنا تعبان شوية.
دخل وقعد بسرعة على الكنبة، وإيده على صدره.
قلبي اتقل فورًا
مالك؟
قال وهو بيتنفس بصعوبة
ضغط ومشاكل في القلب الدكتور قال لازم أهدى تمامًا.
سكت لحظة.
وبعدين كمل
أنا مش جاي أعمل دراما أنا بس جاي أطمن
الجملة دي وقفت الزمن تاني.
البنات كانوا في الأوضة سمعوا صوته وجريوا عليه.
سهر حضنته فورًا، ورضعات وقفت تبص له بخوف
بابا إنت تعبان؟
حاول يبتسم
شوية بس وهعدي.
لكن صوته كان أضعف من إنه يقنع أي حد.
بعد ما البنات رجعوا يلعبوا، بص لي وقال
أنا بدأت أكتب لهم حاجات لو غبت يبقى يعرفوا إني كنت بحبهم.
سكت.
وبعدين قال
أنا عارف إن اللي فات ما يتصلحش بس على الأقل ما يضيعش اللي جاي.
أنا بصيت له.
مش بعين الغضب ولا بعين الحُكم.
بعين واحدة بس بقت تفهم الحياة أكتر
إن الناس مش دايمًا بتصحى بدري أحيانًا بتصحى متأخر وهي مكسورة.
قلت له بهدوء
ما تفكرش في الغياب فكر في الحضور.
هز راسه.
في الأيام اللي بعدها، بقى ييجي بشكل منتظم أكتر.
لكن المرة دي مش كأب بيحاول يعوض وبس.
كإنسان بيحاول يثبت إنه لسه موجود.
وفي مرة، سهر قالت له فجأة
بابا إنت هتفضل معانا ولا هتمشي تاني؟
سكت.
بعدين قال بصوت هادي جدًا
هفضل أحاول لحد ما تبقوا مطمّنين.
بعد ما مشي في اليوم ده
قعدت لوحدي قدام الشباك.
وبصيت للشارع.
وفهمت حاجة بسيطة جدًا
إن الحياة مش بتدي نهايات واضحة
لكن بتدي فرص صغيرة للسلام.
ولو عرفنا نمسكها
ممكن نكمل من غير ما نفضل ننزف.
وقبل ما أنام
همست لنفسي
مش كل اللي بيرجع
فيه اللي بيرجع عشان بس ما يضيعش آخر حاجة حلوة باقيه.
وساعتها بس حسّيت إن الحكاية وصلت لمرحلة أهدى
مش نهاية كاملة
بس استقرار.