حماي لم يكن لديه معاش، كنت اهتم به لمدة 12 سنة وقبل وفاته ترك لي مخدة قديمة ومقطوعة
حماي لم يكن لديه معاش، كنت اهتم به لمدة 12 سنة وقبل وفاته ترك لي مخدة قديمة ومقطوعة، وهمسلي بصوت واطي
دي ليكي يا مريم.
محدش في البيت فهم هو ليه سابها ليّا لحد الليلة اللي بعدها، لما حسّيت إن في حاجة صلبة مستخبية جواها.
اسمي مريم.
اتجوزت وأنا عندي 26 سنة، ودخلت عيلة كانت مكسورة من زمان. حماتي كانت متوفية بدري، ووالد جوزي عم أرنست كان عايش لوحده، مربي 4 عيال من الأرض اللي عنده في الريف. كان بيزرع ذرة وفول طول عمره. مكنش عنده تأمين، ولا راحة، ولا حتى معاش.
لما دخلت البيت، كان أغلب ولاده كبروا وراحوا يعيشوا حياتهم. بيزوروه على فترات بعيدة، وأحيانًا مفيش حتى مكالمة.
وفي الآخر، الراجل الكبير قعد معانا.
وكمان بقى لوحده أكتر وأكتر.
الجيران كانوا دايمًا بيهمسوا مريم الغلبانة، بقت عاملة زي الممرضة مش كنّة. نشوف بقى العيال التانية هييجوا ولا لأ لما يموت.
كنت بسمع بس بطنّش.
لأنه بالنسبالي مكنش حمّو، ده كان راجل قضى عمره كله بيخدم عياله، وفي آخر حياته مبقاش قادر حتى يجيب كباية ميّه لنفسه.
كان في أيام ببكي فيها من التعب.
جوزي كان بيشتغل في القاهرة، وأنا قاعدة لوحدي مع ابني وعم أرنست. أطبخ، أنضف، أغير له هدومه، أديه دواه، وأصحى نص الليل أتأكد إنه لسه بيتنفس.
12
12 سنة بشوف راجل قوي بيبقى ضعيف يوم ورا يوم.
مرة من كتر التعب انفجرت قدامه وعيطت يا بابا أنا مرات ابنك بس ساعات بحس إني مش قادرة أكمل.
بصلي وسكت شوية، وبعدين مسك إيدي بإيده الباردة وقال بهدوء عشان كده يا بنتي ربنا شايفك بشكل تاني.
الكلمة دي فضلت جوه قلبي.
ومن بعدها كنت بعمله كل حاجة بحب أكتر. لو تعبان أعمله شوربة، لو بردان أغطيه بطبقتين بطاطين، وأقعد أدعك له رجله لحد ما ينام.
عمري ما تخيلت إنه يسيبلي حاجة.
لا فلوس
ولا أرض
ولا حتى كلمة شكر.
بس كنت بعمل كده عشان ضميري.
لكن العيلة التانية مكنتش شايفة كده.
كل ما ييجوا يقولوا يا مريم انتي صبورة قوي. إحنا ما نقدرش. أنتي عارفة أبويا دماغه ناشفة.
وأنا بس أبتسم.
بس جوايا كان في وجع لأنهم عارفين إني بعمل كل حاجة، بس محدش شاف الليالي الصعبة.
آخر شتا كان الأصعب.
عم أرنست بقى ياكل قليل، يتعب من الكلام، ويبص على الباب كأنه مستني حد مش جاي.
في يوم طلب مني أقعده. ظبطت له المخدة وفضل ماسكها فترة طويلة.
قلت له مالك يا بابا؟
قال ولا حاجة يا مريم لسه مش دلوقتي.
الليلة دي نفسه كان تقيل جدًا.
مسحت له وشه، وفضلت جنبه، والبيت ساكت، ومفيش غير صوت الساعة ونفسه.
فجأة فتح عينه وبصلي.
قربت منه بسرعة أنا هنا.
ببطء شديد
وبعدين حاول يكمل كلامه ومقدرش.
إيده وقعت في إيدي
ونَفَسه وقف.
الدنيا وقفت عندي.
عيطت لحد الصبح وأنا ماسكة السرير.
لما أهله جم، كان في صريخ ومكالمات وجيران وفي وسط ده كله واحد من ولاده مسك المخدة عشان يرميها.
لكن أنا خطفتها منه بسرعة لا مش دي.
إنتي عايزاها ليه؟ دي قديمة ومقطوعة! قالت بنت أخوه.
ماكنتش عارفة أقول إيه
لأن دي آخر حاجة قالّي عليها.
في الليل، قعدت في المطبخ وحطيت المخدة قدامي.
القطعة كانت مفتوحة، والريش باين، ريحتها قديمة.
كنت هسيبها خلاص
لكن أول ما دخلت إيدي جواها، لمست حاجة مش ريش.
حاجة صلبة
صغيرة
ومتخبّية جوه بعمق.
قصه وتأليف حماده هيكلقلبي اتقبض أول ما حسّيت الحاجة الصلبة بين إيديا.
سحبت إيدي بسرعة، وبصيت حواليّ كأني بخاف حد يكون شايفني. البيت كان هادي، بس جوايا كان في دوشة عمرها ما سكتت.
رجعت فتحت المخدة بحذر بإبرة صغيرة كانت لسه موجودة في طرف الخياطة القديمة. بدأت أوسع الفتحة بإيدي المرتعشة.
الريش طلع أكتر لحد ما ظهر كيس قماش صغير جدًا، متربط بخيط سميك.
بلعت ريقي.
إيه ده يا عم أرنست كنت مخبي إيه؟
فكيت الخيط بصعوبة، وقلبي بيدق كأنه هيطلع من صدري.
جوه الكيس كان فيه
مفتاح قديم صدئ
وورقة متنية أربع مرات
وخاتم رجالي بسيط من غير فصوص.
اتسمرت مكاني.
فتحت الورقة بإيدي اللي بتترعش.
الخط كان واضح رغم إنه قديم
لو وصلتي لليوم ده يا مريم يبقى أنا خلاص مش موجود.
المخدة دي مش صدفة.
أنا كنت حاطط فيها كل اللي باقي من حقي الحقيقي.
قفلت الورقة وبصيت قدامي بذهول.
إيه حقه الحقيقي اللي كان بيتكلم عنه؟
قلبي بدأ يسرع أكتر لما بصيت للمفتاح
كان عليه نقش صغير اسم أرض.
اسم أنا عمري ما سمعته في العيلة.
في اللحظة دي، سمعت صوت باب المطبخ بيتفتح.
جوزي.
واقف ووشه مرهق، وباصص على إيدي اللي فيها الكيس.
إيه اللي في إيدك؟
سكت.
وبصيت له.
وبعدين بصيت للمفتاح تاني.
وفي لحظة واحدة حسّيت إن ال 12 سنة اللي عديت مش كانت رعاية وخلاص
دي كانت جزء من حاجة أكبر بكتير وهو لسه ما يعرفهاش.
قلت له بهدوء غريب حتى أنا استغربته
أبوك سابلي حاجة ومش مجرد مخدة.
وساعتها وشه اتغير تمامًا كأنه لأول مرة يسمع اسم أبوه بشكل مختلف.
والمفتاح وقع من إيدي على الأرض وصوته عمل رنة صغيرة في الصمت.
وكأن بداية سر كبير لسه بيبدأ يتفتح جوزي اتجمد في مكانه.
صوته خرج أخيرًا بس كان مكسور
أرض؟ أي أرض؟ أبويا ما كانش عنده غير الحتة الصغيرة اللي بنزرعها وخلاص.
هزّيت راسي
أنا لسه شايفة المفتاح والورقة.
قرب مني، وأخد الورقة من إيدي، وقرأها مرة واتنين وبعدها سكت. سكتة