قال زوجي إنه ذاهب لحضور حفل استقبال ومباركة بمولود جديد خاص بابن أحد العملاء.
أسنانه
اسكت.
إلا أن الأوان كان قد فات.
لأنني رأيت الحقيقة كاملة في عينيه.
ذلك الرعب الخام الذي لا يصنعه إلا سرّ دفن صاحبه حيًا لسنوات.
قلت بصوت مرتجف
مين ابنه الكبير؟
لم يجب أحد.
حتى تالا توقفت عن البكاء.
كانت تضم آدم لصدرها وتنظر إلى يزن وكأنها تسمع هذه الجملة لأول مرة أيضًا.
اقتربتُ خطوة.
ثم أخرى.
حتى أصبحت أمام الرجل الغريب مباشرة.
قلت
اتكلم.
نظر الرجل إلى يزن بتردد.
لكنني صرخت لأول مرة منذ بداية الليلة
اتكلم!!
ارتجفت القاعة كلها مع صوتي.
ثم قال الرجل أخيرًا
ابنكِ يا مدام ليان عايش.
سقط كوب زجاجي من يد إحدى النساء وتحطم على الأرض.
أما أنا
فلم أتحرك.
لأن الجملة كانت أكبر من قدرتي على التصديق.
همست
لا
لكن الرجل أكمل بسرعة كأنه يريد إنهاء الكارثة دفعة واحدة
الولد اتاخد بعد الولادة مباشرة واتسجل باسم تاني.
بدأت أنفاسي تتقطع.
وشعرت بطعم الدم في فمي من شدة عضّي على شفتي.
ثم التفتُّ ببطء نحو يزن.
كان صامتًا.
وهذا أسوأ شيء.
لو كذب لو صرخ لو أنكر
ربما كنت سأتمسك بأي وهم.
لكن صمته كان اعترافًا كاملًا.
قلت بصوت ميت
ليه؟
أغلق عينيه للحظة.
ثم قال أخيرًا
لأنكِ كنتِ هتموتي يا ليان.
ضحكت بذهول.
ضحكة خرجت ممزوجة بالبكاء.
قلت
فخبيت ابني عني؟!
صرخ فجأة
لأنكِ انهرتِ بعد الولادة! الأطباء قالوا إن حالتك النفسية خطيرة، وإن الطفل عنده مشاكل بالقلب وكان محتاج علاج وسفر ومصاريف ضخمة وأنا
قاطعته بعنف
كدبت عليّ إنه مات!
ساد الصمت.
ثم قال بصوت منخفض
كان الحل الوحيد.
شعرت بشيء داخلي ينكسر نهائيًا.
لكن الرجل الغريب تدخّل بسرعة
مش دي الحقيقة كاملة.
استدار
أما يزن
فبدت عليه رغبة حقيقية في قتله.
قال الرجل
الولد فعلًا كان تعبان بس ماكانش هيموت.
بلع ريقه ثم أكمل
يزن سجّله باسم أخوه المتوفي عشان يقدر ينقل كل أملاك جده للطفل من غير ما تدخلوا في قضايا الورث.
اتسعت عينا عمتي أمينة بصدمة.
حتى تالا شهقت وهي تنظر إلى يزن.
أما أنا
فشعرت بالقرف.
قرف بارد وعميق.
ابني لم يُسرق فقط
بل استُخدم.
كاسم. كوريث. كصفقة.
قلت ببطء
فين ابني؟
تردد الرجل.
ثم أجاب
في تركيا.
شعرت أن الأرض اختفت مجددًا.
تركيا.
سنوات.
سنوات كاملة وهو بعيد عني.
قلت وأنا أرتجف
كام عمره دلوقتي؟
أجاب بصوت خافت
ثلاث سنين ونص.
ثلاث سنوات ونصف
ثلاث سنوات من خطواته الأولى كلماته الأولى مرضه ضحكاته
كلها سُرقت مني.
اقتربت من يزن حتى صرت أمامه مباشرة.
لم أصرخ هذه المرة.
لم أبكِ.
بل نظرت داخل عينيه وقلت
كل ليلة كنتَ تنام بجانبي وأنا أبكي على قبر فارغ؟
انخفض رأسه.
ولأول مرة
بدا صغيرًا.
ضعيفًا.
مثيرًا للشفقة.
لكن الشفقة كانت آخر شيء أملكه له.
ثم سمعت صوتًا صغيرًا جدًا خلفي.
صوت تالا.
كانت تبكي وهي تقول
أنا ماكنتش أعرف والله ما كنت أعرف إنه حي.
التفتُّ إليها ببطء.
امرأة أخذت زوجي وعاشت معه وأنجبت منه طفلًا
ومع ذلك كانت هي أيضًا مجرد قطعة داخل شبكة أكاذيب أكبر.
لكن ذلك لم يمحُ وجعي.
اقتربت منها.
فنظرت إليّ بخوف.
ثم قلت بهدوء
لما كان ينام جنبك هل كان ينادي باسمي أحيانًا؟
انفجرت بالبكاء فورًا.
وذلك كان كافيًا كإجابة.
أغمضت عيني للحظة.
ثم استدرت نحو الباب.
لكن يزن أمسك يدي بسرعة.
همس بصوت محطم
ليان أرجوكِ أنا كنت ناوي أرجعهولِك.
نزعت يدي منه ببطء.
ثم قلت الجملة التي أنهت كل شيء بيننا
الأمهات لا يحتجن استرجاع أطفالهن لأن الأطفال ليسوا أشياء تُخفى ثم تُعاد عندما يناسبكم الوقت.
ثم غادرت القاعة.
لكن قبل أن أصل إلى سيارتي
سمعت خطوات تركض خلفي.
التفتُّ بسرعة.
وكان الرجل الغريب يلهث وهو يمد لي ظرفًا أبيض صغيرًا.
قال
خديه بسرعة قبل ما يزن يشوفني.
فتحت الظرف بيد مرتجفة
وكانت بداخله صورة لطفل صغير بعينين عسليتين.
عيناي أنا.
وفي خلف الصورة
عنوان مكتوب بخط اليد.
وأسفله جملة واحدة فقط
لو عايزة تشوفي ابنك روحي قبل ما يوصلوله توقفت أنفاسي.
أعدت النظر إلى الصورة مرة ثم مرتين.
طفل صغير يجلس على أرجوحة حمراء في حديقة ما، يبتسم نصف ابتسامة خجولة.
وفي ذقنه
نفس الغمازة الصغيرة التي كانت تظهر لي عندما أضحك.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أركض نحو سيارتي.
خلفي كان يزن يصرخ باسمي، لكن صوته صار بعيدًا، كأنه يأتي من قاع بئر.
أغلقت الباب بعنف.
وأشعلت المحرك بيدين ترتجفان.
العنوان المكتوب كان في ضاحية هادئة خارج إسطنبول.
دار رعاية خاصة.
لم أفكر.
لم أبكِ.
قدت السيارة كأن السنوات الثلاث كلها تطاردني دفعة واحدة.
وخلال الطريق
بدأت ذاكرتي تعيد ترتيب كل شيء.
سفرات يزن المتكررة إلى تركيا.
الحساب البنكي الذي اكتشفته مرة ولم أفهم سبب التحويلات الشهرية الضخمة.
اتصالاته الليلية التي كان يخرج لأجلها إلى الشرفة.
حتى تلك المرة التي عاد فيها حاملًا لعبة طفل صغيرة وقال إنها هدية لابن شريكٍ تجاري.
يا الله.
كانت لابني.
وصلت إلى المطار مع اقتراب الفجر.
ولأول مرة في حياتي
لم أهتم بشكلي، ولا حقيبتي، ولا
كل ما كنت أفكر فيه
هل يعرفني؟
هل سيخاف مني؟
هل كان يبكي ليلًا يبحث عن أم لا يتذكر وجهها؟
بعد ساعات طويلة
كنت أقف أمام المبنى.
دار قديمة تحيط بها الأشجار.
هادئة بشكل مؤلم.
طرقت الباب بيد مرتجفة.
فتحت لي امرأة تركية خمسينية الملامح.
وحين رأت الصورة بيدي
شحب وجهها فورًا.
قالت بالعربية المكسرة
أنتِ الأم؟
لم أستطع الكلام.
اكتفيت بهز رأسي.
فنظرت خلفها بتوتر، ثم همست
ادخلي بسرعة.
دخلتُ وأنا أشعر أن قلبي سيقفز من صدري.
كانت هناك رسومات أطفال على الجدران، وأصوات ضحك بعيدة، ورائحة حليب وبسكويت.
رائحة حياة كاملة فاتتني.
قادَتني المرأة إلى غرفة صغيرة في آخر الممر.
ثم توقفت أمام الباب.
وقالت بهدوء
هو لا يعرف الحقيقة.
وضعت يدها على المقبض وأكملت
اسمه هنا كريم.
كريم.
حتى اسمه سُرق مني.
فتحت الباب ببطء.
وفي الداخل
كان هناك طفل صغير يجلس على الأرض يبني برجًا من المكعبات الملونة.
شعره بني داكن.
وظهره نحوي.
توقفت الدنيا.
رفعت المرأة صوتها برقة
كريم في حدا جاي يشوفك.
استدار الطفل ببطء.
وعندما رأيت وجهه
انهرت.
لأنني رأيت نفسي.
ليس فقط في عينيه
بل في طريقته المرتبكة بالنظر، وفي انحناءة فمه الصغيرة، وحتى في الطريقة التي قبض بها المكعب بين أصابعه.
وقف الطفل بتردد.
ثم نظر إليّ
بصمت طويل.
أما أنا
فلم أستطع الاقتراب.
كنت خائفة.
خائفة أن يرفضني. أن لا يشعر نحوي بأي شيء.
همست بصوت مكسور
حبيبي
قطّب حاجبيه الصغيرين.
ثم سأل بخجل
إنتِ مين؟
طعنتني الجملة أكثر من كل خيانات يزن.
فتحت فمي
لكن الكلمات اختنقت.
وفي اللحظة نفسها
دخل رجل إلى الغرفة بسرعة.
وحين
تجمّد مكانه.
كان يزن.
وصل قبلي.
نظر إليّ بذعر حقيقي.
ثم قال للطفل بسرعة
كريم روح العب برا شوي.
لكن الطفل لم يتحرك.
كان ينظر بيننا بحيرة.
ثم قال شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي
بابا هي الست دي اللي كنت بتعيط عشانها بالليل؟