يوم وفاه امى جم أهل جوزى عندنا عشان يعذوا وفى وسط العذا جوزى طلبنى اروحله ضرورى

لمحة نيوز

بس اللي ما كنتش حاساه، إن في حد كان بيراقبني من بعيد.

عربية سودة واقفة على أول الشارع.

الزجاج كان معتم، لكن الباب اتفتح بهدوء.

وصوت هادي ناداني: “إنتِ… مش اسمك…؟”

اتجمدت.

بصيت.

كان راجل كبير في السن شوية، شكله من نوع الناس اللي تعرف تفرق بين الحزن الحقيقي والتعب المصطنع.

كمل: “إنتِ بنت الحاجة اللي العزا عندكم؟”

بلعت ريقي، وهزيت راسي.

ساعتها بصلي بنظرة طويلة وقال: “أنا كنت جاركم زمان… أمك كانت ست محترمة… الله يرحمها.”

الكلمة دي خبطت في قلبي زي أول مرة أسمعها من غير قسوة.

عيوني دمعت غصب عني، بس مسحتها بسرعة.

هو كمل بهدوء: “إنتِ ماشية لوحدك كده ليه؟”

سكت.

مش عارفة أقول إيه.

“مفيش مكان أرجعله.”

الجملة طلعت مني تقيلة.

هو هز راسه ببطء وقال: “يبقى متروحيش لوحدك.”

وبعدين فتح باب العربية أكتر: “اركبي… حتى لو بس عشان تهدي.”

في اللحظة دي، تليفوني رن.

نظرت للشاشة.

جوزي.

مرة… واتنين… وتلاتة.

وبعدين رسالة:

“ارجعي دلوقتي بدل ما أجي أجيبك غصب.”

قفلت الشاشة بهدوء.

وبصيت للعربية.

وبصيت للطريق اللي ورايا.

وبصيت لبيت كان

لسه في الضهر منه صريخ وكلام بيتكسر.

وبعدين…

ركبت العربية.

مش هروب.

لكن اختيار.

وأول ما قعدت، الراجل قال وهو بيسوق: “اللي حصل في البيت ده مش طبيعي… ومش أول مرة أسمع عنهم.”

لفيتله ببطء.

“تقصد إيه؟”

سكت لحظة، وبعدين قال جملة خلت قلبي يقع:

“أمك… كانت دايمًا بتشتكي منهم قبل ما تتعب.”

وفي اللحظة دي…

حسيت إن القصة لسه ما بدأتش خالص.اتجمدت مكاني في العربية، وكأن الهواء نفسه بقى تقيل.

“كانت بتشتكي؟ من إيه؟”

سؤالي طلع بسرعة، أكتر من خوفي، أكتر من حزني.

الراجل فضل سايق شوية من غير ما يرد، وبعدين قال بصوت هادي: “كانت بتقول إن في ضغط عليكِ في البيت… وإنك مش عايشة مرتاحة.”

بلعت ريقي.

“أمي كانت عارفة؟”

هز راسه: “وكانت خايفة عليكِ.”

سكت.

المعلومة دي ما زودتش حزني… دي كسرت حاجة أعمق.

إزاي أمي كانت شايلة همي وهي هي نفسها كانت بتتوجع؟

إزاي ماتت وهي شايفة كل ده ومقدرتش تلحقني؟

الدموع نزلت تاني، بس المرة دي مش بس على موتها… على كل حاجة اتسكت عنها.

فجأة العربية هديت.

وقفنا قدام بيت بسيط قديم.

“انزلي هنا… خدي نفس.”

بصيتله باستغراب.

“أنا معرفش المكان ده.”

قال بهدوء: “بس شكلك محتاجة مكان ماحدش يطلب منك فيه حاجة… ولا يكسرك.”

نزلت.

وقبل ما يقفل الباب، قال: “أمك كانت ست قوية… متخليش اللي حصل يدفنك معاها.”

وسابني.

وقفت قدام البيت، مش عارفة أنا داخلة فين ولا رايحة فين.

لكن أول مرة من يوم العزا…

سمعت صوت جوايا مش صوت انهيار.

كان صوت صغير… لكنه واضح:

“مش هترجعي تاني لنفس الحياة.”

وبين ما أنا واقفة، التليفون رن تاني.

جوزي.

بس المرة دي…

ما رديتش.

قفلت الصوت.

ودخلت البيت.

وكان أول باب في حياتي يتفتح من غير إذن حد.دخلت البيت البسيط، وورايا الباب اتقفل بهدوء… بس الإحساس اللي جوايا كان عكس الهدوء تمامًا.

كان كأني دخلت مساحة فاضية لأول مرة في حياتي.

لا صوت أوامر…
لا حد بيطلب…
ولا حد بيكسرني بكلمة.

وقفت في نص الصالة الصغيرة، وبصيت حواليا.

مكان بسيط جدًا… كرسيين قديمين، طرابيزة خشب، وشباك مفتوح بيدخل هوا خفيف.

الغريب إن الفراغ هنا ما كانش مخيف… كان مريح.

قعدت على الكرسي كأني فجأة فقدت كل طاقتي.

وفي اللحظة دي، دموعي نزلت مرة واحدة.

مش عياط عالي.

بس

انهيار هادي… متأخر.

حطيت إيدي على وشي وقلت بصوت مكسور: “يا أمي… أنا تعبت.”

وأول مرة من يوم ما ماتت… ما كانش في حد يقاطعني.

مفيش حد يقول “عيب”
مفيش حد يقول “الحزن في القلب”

سكت شوية… وبعدين كملت وأنا بتكلم مع نفسي: “أنا كنت لوحدي وإنتي عايشة… وإنتي كمان سبتيني لوحدي.”

سكت تاني.

وبعدين فجأة… خبط خفيف على الباب.

اتنفضت.

مسحت دموعي بسرعة.

الخبط اتكرر.

ثم صوت الراجل: “أنا مش جاي أضايقك… بس سيبتلك شنطة صغيرة فيها حاجات أمك كانت محتفظة بيها.”

قلبى وقع.

فتحت الباب بسرعة.

كان ماسك شنطة قماش قديمة.

إيدي اترجفت وهي بتاخدها.

“دي كانت عندها؟”

هز راسه: “كانت دايمًا تقول: لو حصل لي حاجة… دي تروح لبنتي.”

قفلت الباب وقلبي بيدق بعنف.

قعدت على الأرض، وفتحت الشنطة بإيد بتترعش.

أول حاجة طلعت…

كانت صورة قديمة ليها.

ابتسمها فيها هادي، بس عينيها فيها تعب خفي.

وتحت الصورة…

ورقة صغيرة متنية.

فتحتها.

والمكتوب فيها بخط أمّي كان بسيط… لكنه كفيل يوقف الزمن:

“لو وصلتي هنا… يبقى أنا ماقدرتش أحميكي زي ما كنت عايزة.
بس لو إنتي بتقرّي الكلام

ده… يبقى لازم تبدأي تعيشي لنفسك مش لحد تاني.”

سكت.

حسيت الدنيا كلها وقفت.

وبعدين لأول مرة…

مشيت دموعي من غير ما أحس بالخجل.

وفي اللحظة دي، فهمت حاجة واحدة بس:

اللي حصل في بيتي… ما كانش نهاية.

كان بداية إني أرجع لنفسي.

تم نسخ الرابط