الملياردير اتهم الشغالة بالسرقة ورمى حاجتها في الشارع..
اتفتحت من جديد، وظهر إن في تلاعب فعلًا في جرعة دواء أثناء الولادة.
ليلى كانت قريبة من المستشفى وقتها بحكم شغل أمها هناك.
كل حاجة بدأت تركب فوق بعض.
عامر حس إنه كان عايش وسط مسرحية قذرة وهو الأعمى الوحيد فيها.
أما إيمان
فكانت قاعدة جنب سرير ياسين في المستشفى، ماسكة إيده الصغيرة وبتقرأ له قرآن بصوت واطي.
التلاتة كانوا نايمين حوالينها كأنهم أخيرًا حسوا بالأمان.
عامر وقف عند الباب يتفرج عليهم.
لأول مرة يشوف المشهد الحقيقي مش شغالة مع أطفال.
دي أم بكل معنى الكلمة.
دخل بخطوات بطيئة.
إيمان رفعت عينها له ببرود.
هو وقف قدامها، وسكت شوية، وبعدين مد إيده بحاجة صغيرة.
كانت صورة.
صورة مراته المتوفية.
إيمان بصتلها باستغراب.
عامر قال بصوت مبحوح دي كانت آخر حاجة كتبتها قبل الولادة.
فتح الورقة اللي ورا الصورة.
وكان مكتوب بخط مراته
لو حصلي حاجة أوعى حد يربي ولادي غير إيمان.
البنت دي أحن عليهم مني عامر سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت مكسور
بس عمري ما تخيلت إنها كانت مأمناك على روح ولادها أكتر مني.
إيمان حضنت الورقة لصدرها وهي بتبكي بصمت.
افتكرت يوم مرات عامر، هنا، كانت تعبانة جدًا في آخر شهور الحمل، وكانت تمسك إيد إيمان وتقولها لو جرالي حاجة أوعي تسيبيهم.
وقتها إيمان كانت تضحك وتقول بعد الشر عليكي يا هانم.
مكنتش تعرف إن الجملة هتبقى وصية عمرها كله.
في أوضة المستشفى الهادية، أجهزة القلب كانت بتطلع صوت منتظم، والأطفال نايمين متكورين حوالينها كأنهم بيستخبوا من الدنيا جوا حضنها.
عامر بص لهم، وبعدين بص
قالتها بهدوء موجوع أكتر مما تتخيل.
هو نزل بعينه للأرض إعملي اللي إنتِ عايزاه ارفعي قضية، خدي حقك، حتى لو تكرهيني طول عمرك عندك حق.
إيمان بصتله طويل.
كان أول مرة تشوفه من غير غرور، من غير سلطة، من غير القناع اللي بيخبي ضعفه.
مجرد أب مرعوب اكتشف متأخر إنه كان هيخسر ولاده للأبد.
لكن قبل ما ترد
باب الأوضة اتفتح بعنف.
الدكتور دخل بسرعة، ووشه متوتر مين والد الأطفال؟
عامر قام مفزوع أنا.
الدكتور بلع ريقه في حاجة لازم تعرفها التحاليل اللي عملناها للأطفال بينت آثار مادة مهدئة في جسم التلاتة بشكل متكرر من فترة طويلة.
عامر حس قلبه وقف.
الدكتور كمل بصراحة لو الموضوع كان كمل أكتر من كدة، كان ممكن يأثر على نموهم العصبي بشكل دائم.
إيمان غمضت عينيها بألم.
هي كانت شاكّة كانت شايفة النوم التقيل، الشرود، الخمول اللي بيصيبهم بعد ما ليلى تقعد معاهم.
لكن محدش كان بيسمعها.
عامر سند على الحيطة كأنه هيقع.
همس لنفسه يا رب أنا كنت بعمل إيه؟
وفجأة
كريم الصغير فتح عينه بنص نوم، ومد إيده ناحية عامر لأول مرة من ساعات.
عامر جري عليه بسرعة.
الولد بصله ببراءة وسأله السؤال اللي مزق قلبه إنت هتسيبها تمشي تاني؟
عامر بص لإيمان.
إيمان بصت بعيد.
أما سليم، فصحى هو كمان وقال بنعاس لو إيمان مشيت إحنا هنمشي معاها.
الصمت قتل المكان.
عامر حس إنه لأول مرة في حياته، كل فلوسه وشركاته ونفوذه مالهمش أي قيمة.
لأن أغلى ٣ حاجات في حياته كانوا مستعدين يسيبوه عشان الست اللي ربّتهم بحب.
قرب من سريرهم، ومسح على شعر
وبعدين بص لإيمان وقال بصوت واطي جدًا أنا مش بطلب منك تشتغلي عندي تاني أنا بطلب منك ما تحرمينيش من فرصة أصلح اللي كسرته.
إيمان سكتت.
جواها ألف وجع، وألف إهانة، وألف ليلة بكت فيها لوحدها.
لكن وهي باصة للأطفال وهم نايمين مطمنين لأول مرة
عرفت إن قرارها مش هيكون لنفسها بس.
وفي اللحظة دي، التليفون بتاع عامر رن.
الضابط.
عامر رد بصوت متوتر أيوه؟
صوت الضابط جه حاد
أستاذ عامر لازم تيجي فورًا.
ليلى هربت من الحراسة الصمت اللي حصل في أوضة المستشفى كان أخطر من أي صرخة.
إيد عامر وقفت في الهوا.
كريم شد إيد إيمان جامد كأنه بيحتمي فيها، وسليم فتح عينه بخوف هي رجعت؟
إيمان قامت فورًا، وقربت من الباب بتلقائية دفاعية، كأنها أول مرة جسمها يفتكر إنه لازم يحمي.
عامر بص للضابط في التليفون بصوت متوتر هربت إزاي؟!
جاء الرد سريع حد ساعدها من جوه المستشفى وموبايلها اتقفل فجأة. إحنا بنفتش المنطقة بس لازم تاخد بالك دي مش واحدة عادية.
كلمة مش عادية وقعت على دماغ عامر زي حجر تقيل.
هو عارف ده كويس.
دي الست اللي كانت بتلعب بيه من غير ما يحس.
إيمان بصت له وقالت بصوت منخفض لو خرجت من هنا أول حاجة هتعملها هتيجي على الولاد.
عامر شد نفس طويل، وبص على الأطفال اللي نايمين مش هتوصل لهم تاني.
في نفس اللحظة
نور الغرفة واطي فجأة.
الباب اللي وراهم اتقفل بهدوء غريب.
إيمان التفتت بسرعة.
مفيش حد.
لكن إحساسها قال غير كده.
همست هي هنا
كريم بدأ يعيط أنا خايف
عامر وقف قدام السرير كدرع، لأول مرة في حياته يقف كأب
وبعدين
اتسمع صوت خطوات في الممر.
بطيئة.
متقنة.
كأن اللي ماشي عارف هو داخل على إيه بالظبط.
إيمان مسكت إيد عامر بدون ما تاخد بالها.
هو بص لها في اللحظة دي، واستغرب إنه لأول مرة ما شافش فيها خدامة.
شاف شريكة حرب.
الباب اتفتح نص فتحة.
والصوت جه ناعم، بارد
وحشتوني يا ولادي.
ليلى.
واقفة عند الباب، شعرها متغير، عينيها فيها جنون هادي.
لكن قبل ما تدخل خطوة
الأجهزة في السرير بدأت تصفر فجأة.
الدكتور كان وصل على صوت الإنذار، وفتح الباب بعنف إنتي بتعملي إيه هنا؟!
ليلى ابتسمت بخلص اللي كان لازم يخلص من زمان.
إيمان صرخت ابعدي عنهم!
لكن ليلى كانت أسرع خطوة ناحية السرير
وفي ثانية واحدة بس
ضغطت على زر في جهاز
صغير كانت مخبياه.
الإنذار على الأجهزة على الولاد بدأ يعلى.
قلب عامر اتخلع من مكانه.
الدكتور صرخ دي بتفصل أجهزة المراقبة!
الفوضى انفجرت.
إيمان اندفعت عليها بكل قوتها لأول مرة من غير خوف إنتي مجنونة!
واشتبكوا الاتنين.
عامر شد السلك بسرعة ورجع الأجهزة تشتغل.
الدكتور حاول يسيطر على الوضع.
لكن في وسط العركة
كريم بدأ يصرخ تاني إيمان!
الصوت ده كان كافي يوقف كل حاجة.
إيمان وقفت فجأة، دمها متجمد.
الطفل كان بيشير ناحية الشباك.
ليلى كانت اختفت.
الشباك مفتوح.
وآثارها برا.
عامر بص برعب الحديقة الخلفية
من غير تفكير، جري.
وإيمان وراه.
لكن لما وصلوا
مفيش حد.
بس أثر حذاء في الطين.
وصوت خافت بعيد جدًا
دي لسه البداية يا عامر
إيمان بصت له وقالت بهمس هي مش هتهرب هي هترجع تضرب في المكان اللي بيوجع
عامر لفّ وشه ببطء ناحية المستشفى.
وبص للأطفال.
وفهم لأول مرة
إن الحرب الحقيقية مش بره.
دي بدأت من جوه قلبه من أول يوم صدق فيه الكذب.