قبل الجواز، ماما أجبرتني أكتب الشقة اللي قيمتها أكتر من مليونين دولار باسمها. وقالتلي:
“المشتري الجديد للشقة… وصل دلوقتي وواقف برا القاعة.”القاعة كلها اتقلبت همهمة واحدة.
“واقف برا القاعة؟!”
“مين ده؟!”
“إيه اللي بيحصل؟!”
ياسين كان باصص لماما كأنه لأول مرة يشوفها.
“إنتوا بتهزروا صح؟” صوته كان عالي. “ده يوم فرحي!”
ماما ما ردتش عليه.
بصت ناحية الباب الكبير بهدوء.
وفعلاً…
الباب اتفتح.
ودخل راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة بسيطة مش فخمة، ومعاه محامي في إيده ملف أسود.
مش باين عليه إنه من “طبقة الفرح”.
باين عليه إنه جاي شغل وخلاص.
وقف لحظة يبص على القاعة… كأنه فاهم إنه دخل في مكان غلط.
وبعدين بص ناحية ماما وقال:
“مساء الخير… أنا جيت أستلم الأوراق.”
سكون.
نادية هانم بصت له بصدمة:
“تستلم إيه يا أستاذ؟ إحنا في فرح!”
الراجل فتح الملف بهدوء:
“أنا اشتريت الشقة اللي في الزمالك… ودي أوراق التسجيل النهائية.”
ياسين اتحرك خطوة لقدام:
“شقة إيه؟! دي شقة مراتي!”
الراجل بص له باستغراب محترم:
“حضرتك؟ الشقة كانت باسم السيدة اللي واقفة هناك… واتحولت الملكية واتسجل البيع رسمي من كام يوم.”
أنا رجليا ما بقتش شايلاني.
“يعني إيه اتباعت؟” همست. “يعني أنا… مليش بيت؟”
ماما قربت مني وحطت إيدها على كتفي:
“لا يا سلمى… إنتي معندكيش بيت كان هيتاخد منك في أول خلاف.”
نادية انفجرت:
“إنتي بوظتي فرح ابني!”
ماما ردت بهدوء يخوف أكتر من الصراخ:
“أنا أنقذت بنتي من بداية غلط.”
ياسين هنا انفجر فيّ أنا:
“إنتي كنتي متفقة معاها؟! ده كله تمثيل؟!”
بصيت له ودموعي في عيني:
“أنا ما كنتش عارفة حاجة… والله!”
بس هو ما صدقش.
أو ما
في اللحظة دي، الراجل اللي جاي يشتري الشقة قال بهدوء:
“أنا آسف للتدخل… بس في حاجة مهمة لازم تتقال.”
كل العيون عليه.
فتح الملف، وسحب ورقة تانية:
“الشقة مش بس اتباعت… دي كانت عليها شبهة استغلال توقيع، والبنك بيفتح تحقيق في التوكيلات اللي اتعملت.”
نادية هانم وشها اتغير فجأة.
وياسين… لأول مرة… سكت.
ماما بصت له وقالت الجملة الأخيرة:
“كنت فاكرة إني لو سكت، بنتي هتدفع التمن… بس واضح إن التمن كان هيتدفع أسرع مما تخيلت.”القاعة فضلت ساكتة ثواني… بس كانت ثواني تقيلة كأنها عمر كامل.
وبعدين نادية هانم فجأة انفجرت في الضحك.
ضحكة عصبية، مش ضحكة فرح.
“تحقيق؟ شبهة استغلال؟ إنتوا فاكرين إن الموضوع سهل كده؟”
وبصت لياسين:
“قوم يا ياسين… إحنا مفيش حد يقدر يمسنا.”
لكن ياسين ما اتحركش.
كان واقف مكانه، عينه بيني وبين أمه، كأنه بيشوفهم لأول مرة فعلاً.
الراجل اللي جاي يشتري الشقة قفل الملف بهدوء وقال:
“أنا دوري خلص… الباقي بينكم وبين القانون.”
وبعدين مشي ناحية الباب.
في اللحظة دي، ماما قربت خطوة من ياسين وقالت بصوت منخفض بس واضح:
“إنت كنت عارف إنها هتاخد الشقة.”
القاعة كلها سمعت السؤال.
ياسين اتجمد.
نادية صرخت:
“ما تردش!”
بس ماما كملت:
“وكنت عارف إنك ساكت… عشان كنت مستني اللحظة اللي تضغطوا عليها بيها.”
بصيت له… وقلبي بيتكسر تاني:
“ده حقيقي؟”
ياسين فتح بقه… قفل… فتح تاني.
“أنا… أنا ما كنتش ناوي أضرِك.”
جملة أضعف من أي دفاع.
نادية مسكت إيده بعنف:
“إنت بتضيع نفسك بكلامك!”
لكن ياسين سحب
وبصلي.
“أنا كنت فاكر إن ده طبيعي… إن بعد الجواز كل حاجة تبقى للعيلة… لأمي… لينا.”
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت مكسور:
“أنا ما شفتش إنك بتتسحبي.”
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
“بتتسحبي؟” كررتها.
دموعي نزلت.
“إنت شايف إن حياتي كانت هتتسحب مني وأنا بسكت؟”
ماما رفعت إيديها وقالت بهدوء:
“اللي حصل النهارده كان لازم يحصل بدري.”
نادية فقدت السيطرة تمامًا:
“إنتي خرّبتي بيتنا!”
ماما ردت:
“أنا منعت خراب بيت بنتي.”
سكون تاني… بس المرة دي القاعة بدأت تتقسم.
ناس بتبص لنادية بصدمة.
ناس بتبصلي بشفقة.
وناس بدأت تهمس إن في حاجة أكبر من مجرد فرح اتلخبط.
ياسين فجأة قرب مني خطوة:
“سلمى… تعالي نطلع نتكلم لوحدنا.”
بس ماما وقفت بينا فورًا.
“لا.”
نظرة واحدة بس.
“الكلام ده كان لازم يتقال قدام الناس… عشان الحقيقة ما تتقلبش بعدين عليكِ.”
وبعدين بصتلي:
“إنتي عايزة إيه دلوقتي يا سلمى؟”
سؤال بسيط… بس كأنه بيحدد حياتي كلها.
أنا بصيت لياسين…
وبصيت لنادية…
وبعدين بصيت للمكان اللي كان المفروض يكون “بداية حياتي”.
وطلعت مني كلمة واحدة، بصوت مهزوز:
“عايزة أخرج.”العربية ماشيه في الشارع، والهدوء اللي برا كان أغرب من دوشة الفرح اللي لسه في ودني.
أنا كنت ساكتة… وماما سايقة من غير ما تبصلي.
لحد ما فجأة قالت:
“إحنا مش رايحين البيت.”
بصيت لها بسرعة:
“يعني إيه؟ هنروح فين؟”
ردت بهدوء:
“في مكان هتفهمي فيه كل حاجة… مش دلوقتي.”
بعد حوالي نص ساعة، وقفنا قدام عمارة هادية في منطقة مش بعيدة
مش فخمة زي الشقة اللي اتسحبت مني… بس فيها حاجة مختلفة… أمان.
طلعنا سوا.
وأول ما دخلنا الشقة، لقيت رجل قاعد مستنينا.
راجل شكله محامي.
قمت وقفت مكانى:
“إنتوا جايبين محامي ليه؟ أنا مش عايزة قضايا!”
ماما قالت بسرعة:
“اقعدي بس.”
المحامي فتح ملف وقال:
“في حاجة لازم تتفهميها يا آنسة سلمى… موضوع الشقة مش بس بيع عادي.”
قلبي دق بسرعة.
“إيه يعني؟”
المحامي بص لماما لحظة… وبعدين قال:
“التوكيل اللي اتعمل باسم حضرتك… كان فيه تلاعب في الصياغة.”
سكت.
“يعني إيه؟”
رد بهدوء:
“يعني اللي حاول ياخد الشقة… ماكانش بس أهله.”
بصيت له بعدم فهم:
“تقصد ياسين؟”
المحامي ما ردش بسرعة… وده كان الرد نفسه.
ماما قالت بصوت هادي بس تقيل:
“في حاجات ماكنتش عايزة أقولك عليها قبل الفرح… عشان ما تهربيش من المواجهة.”
اتجمدت.
“مواجهة إيه؟”
المحامي فتح ورقة تانية:
“في تحويلات مالية حصلت… واسم جوزك كان طرف فيها بشكل غير مباشر.”
حسيت الدنيا بتلف.
“إنتوا بتقولوا إنه كان بيستغلني؟”
ماما ردت بسرعة:
“أنا بقول إنه كان ساكت… وده أخطر.”
سكت لحظة… وبعدين كملت:
“اللي زي نادية واضحين… إنما اللي زي ياسين… بيدخلوا بهدوء.”
دموعي بدأت تنزل من غير ما أحس.
“يعني أنا كنت غبية؟”
ماما قامت وقفت قدامي:
“لا.”
“إنتي كنتي بتحبي.”
سكون.
وبعدين قالت الجملة اللي كسرتني ووقفتني في نفس الوقت:
“بس الحب لوحده مش حماية.”
في اللحظة دي، موبايلى رن.
رقم غريب.
بصيت للموبايل… إيدي بتترعش.
المحامي قال بهدوء:
“ردي… يمكن
وقفت ثواني… وبعدين فتحت المكالمة.
صوت ياسين كان مكسور:
“سلمى… أنا واقف تحت بيتك.”
سكت.
“ممكن أطلع أتكلم معاكي؟ مرة واحدة بس… من غير أمي… من غير أي حد.”
بصيت لماما.
وماما ما قالتش حاجة.
بس عينيها كانت بتقول: اختاري بعقلك المرة دي.
والمكالمة لسه مفتوحة… وأنا مش عارفة أقول إيه.