مراتى ولدت و بعد الولادة منعتنى انى ادخل اوضه النوم
ده كان سر قديم أنا اتسحبت جواه من غير ما أعرف.
وفي اللحظة دي… الكاميرا في أوضة النوم فصلت فجأة.
بس قبل ما الصورة تروح خالص، ظهرت جملة مكتوبة على الشاشة:
“اللي بدأته هناء… مش هيقدر يتوقف بسهولة.”
والباب اللي كنت فاكره مقفول من زمان…
اتفتح من جوه.وقفت قدام الشاشة المطفية… والبيت حواليا كان هادي زيادة عن الطبيعي.
مش هدوء راحة… هدوء تحذير.
بصيت ناحية أوضة ليلى. الباب كان مقفول، بس لأول مرة حسّيته مش “مقفول عليّا”…
حسّيته “مقفول من جوه”.
مشيت بخطوات بطيئة، وكل خطوة كانت تقيلة كأني ماشي في مية.
وقبل ما ألمس الباب، سمعت صوت خفيف جوا.
مش بكاء…
نَفَس منتظم.
اتجمدت.
وبعدين سمعت صوت هناء.
بس مش بتتكلم مع حد… كانت بتهمس لنفسها:
“لسه بدري… لسه مش وقته يعرف.”
دفعت الباب بهدوء.
المشهد جوا كان أغرب من كل اللي شوفته قبل كده.
ليلى نايمة في سريرها، بس حواليها أجهزة صغيرة مشيت عليها بعيني بسرعة: جهاز قياس، سوار طبي، وموبايل قديم متوصل بسلك.
وهناء قاعدة جنبها… لكن مش بتبصلي.
كانت بتبص للشاشة اللي في إيدها.
الشاشة كانت بتعرض بيانات.
نبض… حرارة… إشارات.
زي متابعة مريض في عناية مش طفل في بيت.
رفعت عينيها أخيرًا.
وقالت بهدوء مريب:
“مش لازم تكون هنا دلوقتي يا محمود.”
قربت منها خطوة.
“بنتي إيه اللي بيحصل لها؟”
سكتت.
وبعدين قالت الجملة اللي كسرت كل اللي حاولت أصدقه عن حياتي:
“ليلى مش زي ما أنت فاكر… وهي أصلًا ماكانتش المفروض تعيش بالشكل ده من الأول.”
في اللحظة دي، الراجل اللي شوفته في الكاميرا دخل من الباب الخلفي للغرفة.
بس المرة دي ماكانش غريب.
كان لابس بطاقة تعريف.
دكتور.
وبصلي وقال بهدوء:
“إحنا محتاجين نوضح لك كل حاجة… قبل ما تتأذى إنت وهي.”
وقتها بس فهمت إن اللي أنا كنت فاكره خيانة… كان غطاء لحاجة أكبر بكتير.
حاجة بدأت قبل ما أنا أكون “أب”… وقبل ما ليلى تبقى “طفلة” بالشكل اللي أعرفه.
والحقيقة… لسه ما خلصتش.وقفت مكاني، ومش قادر أستوعب كلمة “دكتور” دي وهي خارجة من بقه كأنها أخف حاجة في الدنيا.
بصيت لهناء تاني… لقيتها لسه هادية، لكن عينيها فيها انهيار متماسك، زي حد شايل سر تقيل ومجبر يفضل واقف.
الدكتور قرب من السرير وقال بهدوء:
“هناء ماعملتش حاجة غلط… بالعكس، هي أنقذت بنتك من قرار كان هيتاخد في المستشفى قبل ما تخرج بيومين.”
بلعت ريقي بصعوبة.
“قرار إيه؟”
سكت لحظة، وبعدين فتح ملف كان معاه.
“ليلى اتولدت بحالة نادرة جدًا… اضطراب في الجهاز المناعي + خلل في النمو الخلوي. المستشفى كان ناوي يدخلها بروتوكول متابعة تجريبي… بس البروتوكول ده كان فيه نسبة
لفّ ناحية هناء.
“وإنتي كنتي ضد ده.”
هزّت راسها ببطء.
“كانوا هيجربوا عليها… زي أي حالة رقم في ملف.”
حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
رجعت خطوة ورا.
“يعني إيه دخل راجل غريب البيت؟ وليه كان بييجي بليل؟ وليه كنتوا مخبيين عني؟”
الدكتور رد:
“مش غريب. ده أحد الباحثين اللي اشتغلوا على الحالة قبل ما تتسجل رسمي… وإنت كنت بره الصورة لأن وجودك كان هيوقف كل حاجة.”
ضحكت ضحكة قصيرة مش مصدق.
“أنا الأب!”
هنا هناء قامت بسرعة لأول مرة، وصوتها ارتفع:
“وأنا أمها اللي شافتها بتتسحب مني لحاجة اسمها بروتوكول! أنا اللي كنت هخسرها لو اتكلمت!”
سكتت ثانية، وبعدين قالت بصوت مكسور:
“كنت لازم أختار بين إنك تعرف… أو إنها تعيش.”
في اللحظة دي ليلى اتحركت في السرير، وفتحت عينيها لأول مرة.
كانت عينيها هادية جدًا… أكبر من سنها.
وبصتلي.
وقالت بصوت صغير:
“بابا… أنا مش خايفة.”
وقتها كل الغضب اللي جوايا وقف.
لأن السؤال الحقيقي ماكانش خيانة ولا كذب…
السؤال كان:
أنا هقدر أعيش مع الحقيقة دي… ولا الحقيقة دي هتكسرني أنا وهي مع بعض؟وقفت أبص لها… كلمة “بابا” اللي قالتها كانت بسيطة، بس عملت جوايا زلزال هادي.
الدكتور اتكلم بهدوء كأنه بيقفل ملف قديم:
“إحنا ماكنّاش عايزين نوصل لك بالطريقة دي… بس الظروف
بصيت له بعصبية مكبوتة:
“قرار إيه تاني بعد كل ده؟”
فتح الملف تاني وقال:
“الجسم بتاعها بيتطور بشكل غير متوقع… التحاليل الأخيرة بتقول إن الحالة مش ماشية في الاتجاه اللي كنا متوقعينه. يا إما هتتحسن بشكل كامل… يا إما يحصل انهيار مفاجئ في جهازها الحيوي.”
سكت.
الكلمة دي كانت كفاية تمسح أي معنى للاستقرار.
بصيت لهناء، لأول مرة من غير غضب… بس بنوع من الفهم المتأخر.
“ليه ماقولتليش من الأول؟”
ردّت بصوت واطي:
“كنت هتخاف وتمشي… وأنا ماكنتش أقدر أواجه ده لوحدي.”
ليلى قاطعتنا بصوت صغير:
“ماما قالتلي إن بابا بيحبني حتى لو أنا تعبانة.”
الكلام ده كان أبسط من إنه يكون مؤلم… لكنه كان أصدق من أي تفسير طبي.
الدكتور قفل الملف وقال:
“في خيارين. نكمل متابعة هنا تحت إشراف كامل… أو نبدأ نقلها لمركز متخصص بره البلد.”
سكتنا كلنا.
المرة دي مفيش كاميرات… مفيش أسرار… مفيش غموض.
في اختيار واحد تقيل:
هل هنفضل نتعامل مع ليلى كـ “قضية خطيرة”…
ولا كطفلة عايزة تعيش وسط أهلها؟
هناء بصّتلي.
مش بتستأذن.
كانت بتسألني من غير كلام: القرار علينا إحنا الاتنين.
قربت من السرير، وقعدت جنب ليلى.
مسكت إيديها الصغيرة.
وقلت بهدوء:
“هنكمل هنا… بس
الدكتور هز راسه، وهناء نزلت عينيها، كأنها أخيرًا سمحت لنفسها ترتاح شوية.
بس وأنا باصص لليلى، كنت حاسس إن القصة ماخلصتش…
هي بس بدأت تاخد شكل تاني.
شكل أقل ظلمة…
لكن أثقل مسؤولية.