مررتُ بمدرسة ابنتي التي تبلغ من العمر 6 سنوات لكي أفاجئها، لكن قلبي انقبض حينما رأيت المعلمة ترمي حقيبتها في القمامة وتصرخ فيها قائل
فيها أي أثر للغرور الذي رأيته بالأمس.
كانت شاحبة، عيناها حمراوان من البكاء، ويداها ترتجفان.
وقفت أمامي وقالت بصوت مكسور أنا استحق الفصل لكن أرجوكِ اسمعيني دقيقة.
ظللت صامتة.
ثم قالت شيئًا لم أتوقعه أبدًا
أنا كنت فقيرة جدًا وأنا صغيرة وكانوا يهينوني كل يوم بسبب أكلي وملابسي.
توقفت للحظة ثم انفجرت بالبكاء وكنت أكره ذلك الشعور لكن يبدو أنني تحولت مع الوقت إلى نسخة من الناس الذين كسروني.
نظرت إليها طويلًا.
كان في كلامها ألم حقيقي لكنه لا يمحو ما فعلته.
قلت لها بهدوء الجرح لا يعطيك الحق أن تجرح غيرك.
انخفض رأسها أكثر.
ثم أخرجت من حقيبتها شيئًا صغيرًا ووضعته أمامي.
كانت علبة طعام جديدة نظيفة وبداخلها نفس الأكلة التي رمتها بالأمس.
وقالت وهي تبكي عملتها بنفسي لمكة فقط أردت أن أعتذر لها.
وفي تلك اللحظة لم أعرف لماذا شعرت بثقل غريب في قلبي نظرتُ إلى علبة الطعام طويلًا.
كانت بسيطة جدًا نفس الأرز والخضار الذي كانت مكة تحبه.
لكن الشيء الذي شدّني حقًا هو أن يدي ميس نيهال كانتا ترتجفان وهي تدفع العلبة نحوي، كأنها تحمل اعترافًا أثقل من الكلام.
قلت لها بهدوء الاعتذار الحقيقي لا يكون بالكلام فقط.
هزّت رأسها بسرعة أعرف وأنا مستعدة أتحمل أي شيء.
سكتُّ لحظة، ثم ضغطت زر الهاتف الداخلي ابعثوا لي مكة لو سمحتم.
رفعت ميس نيهال عينيها بخوف واضح.
بعد دقائق،
أول ما رأت المعلمة توقفت خلفي فورًا، ويداها تشدّان عباءتي.
انخفضت ميس نيهال إلى مستوى نظرها، لكن مكة لم تقترب.
قالت المعلمة بصوت مبحوح أنا آسفة يا مكة آسفة جدًا.
لم ترد مكة.
ثم أخرجت المعلمة علبة الطعام الصغيرة وقالت عملت لكِ نفس الأكلة ممكن تسامحيني؟
مكة نظرت إليّ أولًا، كأنها تسألني بعينيها ماذا تفعل.
فقلت لها بهدوء المسامحة شيء جميل لكن ليس واجبًا.
ساد الصمت.
ثم حدث شيء لم أتوقعه.
مكة اقتربت ببطء، أخذت علبة الطعام، وفتحتها وبعدها رفعت ملعقة صغيرة ومدّتها نحو المعلمة نفسها.
وقالت ببراءة كُلي معي الأول.
انفجرت ميس نيهال بالبكاء فورًا.
وضعت يدها على فمها وهي تحاول تمنع شهقاتها، ثم أخذت لقمة صغيرة وسط دموعها.
أما مكة فابتسمت أخيرًا.
في تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا جدًا
الأطفال أحيانًا أنقى من الكبار بكثير.
لكن رغم ذلك، لم أتراجع عن قراري.
بعد خروج مكة، قلت لميس نيهال أنتِ لن تعودي للتدريس هنا.
أغمضت عينيها وكأنها كانت تتوقعها.
لكنني أكملت لكن سأعطيك فرصة أخيرة بشكل آخر.
نظرت إليّ بدهشة.
قلت لدينا مؤسسة لدعم الأطفال الذين يتعرضون للتنمر والإهانة النفسية. ستعملين هناك تحت إشراف مختصين ليس كمعلمة، بل كشخص يتعلم كيف يُصلح ما أفسده.
سقطت دموعها مجددًا، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف بل شيء يشبه الراحة.
بعد أسابيع، بدأت المدرسة تتغير فعلًا.
الأطفال صاروا يشتكون بدون خوف.
المعلمين أصبحوا يخضعون لتقييم نفسي قبل أي تقييم أكاديمي.
وتم إطلاق يوم خاص اسمه يوم الأكل المنزلي، حيث يحضر كل طفل أكلة من بيتهم مهما كانت بسيطة.
وفي أول يوم لهذا النشاط
دخلتُ المدرسة فوجدت الروائح تملأ المكان كشري، ملوخية، فطير، سندوتشات بسيطة، وحتى خبز وزيت فقط.
لكن الجميع كان يضحك.
ومكة؟
كانت واقفة في منتصف الفصل بفخر، ترفع علبة طعامها وتقول لزملائها
أمي تقول إن الأكل الذي فيه حب أغلى من أي شيء.
وحينها فقط شعرت أن المدرسة أصبحت فعلًا مكانًا يستحق الأطفال مرّت عدة شهور، وبدأت ألاحظ أن مكة تغيّرت.
لم تعد تلك الطفلة الخجولة التي تخفي علبة طعامها بسرعة قبل أن يراها أحد.
أصبحت أكثر قوة وأكثر حنانًا أيضًا.
وفي أحد الأيام، تلقيت اتصالًا عاجلًا من المدرسة.
قلب الأم داخلي ارتجف فورًا.
قدت السيارة بأقصى سرعة، وكل الأفكار السوداء كانت تهاجمني
هل مكة بخير؟ هل سقطت؟ هل أحد آذاها؟
لكن عندما وصلت وجدت مشهدًا غريبًا جدًا.
كل الطلاب متجمعون في ساحة المدرسة، وبعض المعلمات يبكين.
شققت طريقي بينهم حتى رأيت مكة.
كانت جالسة على الأرض تحتضن طفلة صغيرة من الصف الأول، ملابسها قديمة وحذاؤها ممزق، وتبكي بحرقة.
اقتربت بسرعة وقلت مكة! ماذا حدث؟
رفعت عينيها نحوي، وكانت الدموع تملأ وجهها الصغير.
قالت ماما البنات ضحكوا عليها عشان شنطتها قديمة.
ثم أشارت إلى الطفلة وهي كانت هترمي أكلها في الزبالة عشان محدش يشوفه.
شعرت بشيء يخنق صدري.
المشهد أعادني فورًا لذلك اليوم الأسود.
لكن قبل أن أتكلم، أمسكت مكة يد الطفلة ووقفت بها أمام الجميع، ثم قالت بصوت صغير لكنه ثابت
محدش يعيب على حد بسبب أكله أو هدومه.
ساد الصمت في الساحة كلها.
ثم أكملت أمي قالت لي إن الإنسان النضيف هو اللي قلبه نضيف.
والله في تلك اللحظة لم أستطع منع دموعي.
المديرة اقتربت مني وهمست حضرتكِ تعرفي مكة عملت إيه قبل ما توصلي؟
هززت رأسي بالنفي.
ابتسمت وسط دموعها وقالت خلعت جاكيتها الغالي وألبسته للبنت وبعدها قالت للبنات لو هتضحكوا عليها يبقى اضحكوا عليّ أنا كمان.
نظرت إلى ابنتي، وشعرت بفخر لم أشعر به في كل صفقات حياتي ولا نجاحاتي.
كل الشركات كل الأموال لم تكن تساوي شيئًا أمام هذه اللحظة.
اقتربت من مكة واحتضنتها بقوة.
ثم ركعت أمام الطفلة الصغيرة وسألتها اسمك إيه يا حبيبتي؟
قالت بخجل ليان.
ابتسمت لها ومسحت دموعها تحبي تبقي صديقة مكة؟
هزّت رأسها بسرعة.
ومن يومها أصبحت ليان ومكة لا يفترقان.
لكن القصة لم تنتهِ هنا.
بعد أسبوع تقريبًا، كنت أراجع ملفات الدعم الطلابي الجديدة، وفجأة رأيت اسمًا جعل يدي تتجمد.
ليان نادر.
الاسم كان مألوفًا جدًا.
فتحت الملف بسرعة وحين قرأت اسم والدتها،
لأن والدة ليان كانت شخصًا من الماضي ظننت أنني لن أراه مرة أخرى أبدًا.