تنام امرأة حامل بجوار أفعاها الأليفة الضخمة كل ليلة، وكانت الأفعى تلتف دائمًا حول بطنها دون أن تبتعد عنه ولو لثانية واحدة

لمحة نيوز

“اقفل النور!” صرخ ياسين في الظلام، لكن المصباح لم يعد يستجيب أصلًا.

كان كل شيء داخل الغرفة يتنفس بشكل غريب… كأن الجدران نفسها أصبحت حية.

وفجأة…

صدر صوت تشقّق خفيف من العلبة.

تشقّق واحد فقط.

ثم صمت.

ثم تشقّق آخر… أطول هذه المرة.

في تلك اللحظة، ميمونة رفعت رأسها فجأة، وبدأ جسدها يرتجف لأول مرة منذ أن عرفوها.

لم تكن ترتجف خوفًا…

بل كأنها تستعد.

ثم، وبحركة سريعة غير متوقعة، انسحبت الأفعى من حول سكينة، واندفعت نحو تحت السرير مرة أخرى.

“لا!” صرخ ياسين وهو يحاول الإمساك بها، لكن شيئًا دفعه للخلف بقوة غير مفهومة، كأنه اصطدم بجدار غير مرئي.

سقط على الأرض وهو يلهث: “إيه اللي بيحصل هنا…؟!”

سكينة كانت شبه فاقدة للوعي، تمسك بطنها وتهمس: “فيه حاجة… خرجت… أو لسه هتخرج…”

وفجأة…

انفجرت العلبة الزجاجية من الداخل.

لكنها لم تتحطم كأي زجاج عادي…

بل تفتتت إلى قطع صغيرة جدًا كأنها ذابت في الهواء، والسائل الشفاف بداخلها تبخر فورًا تاركًا خلفه رائحة تشبه الأعشاب المحروقة.

وفي اللحظة نفسها…

سكن كل شيء.

البيت كله.

لا صوت.

لا حركة.

حتى تنفس سكينة نفسه صار هادئًا بشكل مخيف.

ثم…

سمعوا صوت بكاء.

بكاء طفل.

لكن ليس من بطن سكينة هذه المرة.

بل من زاوية الغرفة المظلمة تمامًا… قرب الباب.

التفت

ياسين بسرعة، وعيناه لا ترى شيئًا.

“مين…؟” همس بصوت مبحوح.

البكاء اقترب خطوة.

ثم خطوة أخرى.

ومع كل خطوة…

كانت ميمونة تزحف في نفس الاتجاه، وكأنها تعرف بالضبط من القادم.

حتى ظهر أخيرًا في الضوء الخافت القادم من الشارع…

طفل صغير.

واقف.

ينظر إليهم بصمت.

وعيناه… لم تكن عيون طفل طبيعي.

كانت هادئة أكثر من اللازم.

أعمق من اللازم.

وفي اللحظة التي حاول فيها ياسين الصراخ…

سمعوا جميعًا صوتًا واحدًا يخرج من الظلام خلفهم، بصوت والد سكينة الراحل، وكأنه يتردد داخل البيت نفسه:

“الحماية… اكتملت.”ساد صمت ثقيل بعد الجملة الأخيرة، كأن البيت كله تجمّد للحظة.

“الحماية… اكتملت.”

الصوت لم يكن قادمًا من مكان واحد، بل من كل اتجاه… من الجدران، من الأرض، من الهواء نفسه.

سكينة ارتجفت وهمست: “بابا…؟”

لكن لا أحد أجاب.

الطفل الذي ظهر عند الباب لم يتحرك. فقط كان يحدق، بعينين ثابتتين بشكل غير طبيعي، وكأنه يرى ما وراءهم جميعًا.

ميمونة كانت الآن تقف بينه وبينهم.

جسدها مشدود، رأسها مرفوع، لكنها لم تكن تهدد الطفل… بل كانت تحرسه.

ياسين حاول أن يزحف للخلف وهو يهمس: “ده مش طفل طبيعي… ده مش طبيعي خالص…”

وفجأة…

تحرك الطفل.

خطوة واحدة فقط.

وفي نفس اللحظة، سكينة شعرت بألم حاد جدًا في بطنها… لكن هذه المرة

لم يكن ألم ولادة.

كان أشبه بـ… فراغ.

كأن شيئًا كان بداخلها، ثم انفصل عنها.

صرخت: “فيه حاجة خرجت مني!”

ركض ياسين نحوها، لكن قبل أن يصل…

انطفأت الإضاءة الضعيفة القادمة من الشارع أيضًا.

ظلام كامل.

لكن في هذا الظلام، لم يعودوا وحدهم.

كان هناك صوت حركة خفيفة… زحف… بطيء… يقترب من كل زاوية في الغرفة.

ثم فجأة…

اشتعل ضوء خافت جدًا من العلبة المكسورة على الأرض.

لم تعد مكسورة.

كانت… كاملة من جديد.

وكأن شيئًا أعاد تشكيلها.

وبداخلها… لم يعد هناك سائل.

بل نقطة ضوء صغيرة نابضة.

تنبض مثل قلب حي.

وفي نفس اللحظة…

سمعوا صوتًا جديدًا.

بكاء طفل ثانٍ.

لكن هذه المرة…

لم يكن من الباب.

كان من داخل صدر ياسين نفسه.

تجمد مكانه، ويده على قلبه، وعيناه اتسعتا برعب حقيقي: “أنا… أنا سامع صوت جوايا…”

ميمونة التفتت نحوه مباشرة.

ولأول مرة…

نظرت له هو.

ولم تنظر لسكينة.

ثم أصدرت هسهسة طويلة منخفضة، كأنها تقول شيئًا واحدًا واضحًا:

“الدور عليك.”تراجع ياسين خطوة للخلف وكأن الأرض انسحبت من تحته.

“دوري أنا؟… إنتي بتقولي إيه؟!” صوته كان مكسورًا بين الخوف وعدم التصديق.

لكن ميمونة لم تتحرك.

ظلت ثابتة، وعيناها لا تفارقان قلبه.

ثم… بدأت تقترب منه ببطء شديد.

وفي نفس اللحظة، الطفل عند الباب ابتسم.

ابتسامة قصيرة… غير مكتملة… لكنها كافية لتجعل سكينة تصرخ: “ابعدوا عنه!”

اندفعت نحوه رغم الألم، لكنها توقفت فجأة.

شيء ما شدّها من داخلها.

ليس ألمًا هذه المرة…

بل إحساس غريب بأن جسدها نفسه يرفض أن يبتعد.

في صدر الغرفة، العلبة الزجاجية بدأت تنبض أسرع.

ضوءها صار أقوى.

حتى أن ملامح الغرفة بدأت تتضح من جديد رغم الظلام.

ومع كل نبضة من العلبة…

كان جسد ياسين يهتز كأنه يجاوبها.

“أنا مش فاهم… أنا مش فاهم بيحصل لي إيه!” قال وهو يمسك صدره.

ميمونة توقفت أمامه مباشرة.

ثم رفعت رأسها… ولم تهسهس.

بل فتحت فمها قليلًا، وصدر منها صوت مختلف.

صوت قديم… كأنه ليس صوت أفعى، بل شيء آخر يسكنها.

وفي تلك اللحظة…

تذكرت سكينة كلام والدها الراحل فجأة.

“في أنواع حماية يا بنتي… مش بتتحط على المكان… بتتحط على الروح.”

اتسعت عيناها: “لا… مش ممكن…”

همست لنفسها: “الحماية كانت على بابا… وبعده عليا… ولما حملت… اتحركت…”

الطفل عند الباب تحرك خطوة أخرى.

وفي نفس اللحظة…

العلاقة بين كل شيء بدأت تتكشف.

ميمونة لم تكن تحرس الجنين فقط.

ولا العلبة كانت مجرد أثر.

ولا الطفل كان غريبًا بالصدفة.

كان هناك “عهد” قديم… شيء ورثه الحاج العربي ولم يخبر به أحد.

وفجأة…

انفجرت العلبة بضوء أبيض قوي.

أضاء الغرفة بالكامل.

وفي وسط الضوء…

ظهر ظلّ رجل عجوز.

واقف بهدوء.

الحاج العربي.

ينظر إليهم جميعًا بحزن، ثم قال بصوت واضح هذه المرة:

“أنا ما كنتش بحمي حفيدي… أنا كنت بحبس اللي جواه.”

ساد الصمت مرة أخرى…

لكن هذه المرة كان صمتًا يعرف أن الحقيقة بدأت… تظهر بالكامل.

تم نسخ الرابط