في وسط الفرحة والزغاريد اللي مالية البيت بمناسبة سبوع ابني اللي لسه مجاش الدنيا
شيرين بدأت تهز راسها بسرعة وهي بتعيط: “لا… لا بالله عليكي ماتقوليش كده…”
صرخت فيها لأول مرة من قلبي: “أقول إيه؟! إن ابني ممكن يعيش عمره كله يتعالج بسبب اللحظة اللي إنتِ وأمي قررتوا فيها تحرقوني؟!”
كانت بتنهار قدامي حرفيًا.
وفجأة… ركعت على الأرض.
مسكت طرف هدومي وهي بتبكي بهستيريا: “اضربيني… اكرهيني… اعملي أي حاجة… بس ماتقوليش إن الطفل اتأذى بسببي.”
بصيتلها وأنا قلبي بيتقطع.
لأن للمرة الأولى… كان العقاب وصلها فعلًا.
مش شرطة. ولا فضيحة. ولا سجن.
الإحساس إنها كسرت روح طفل بريء قبل ما يعرف ينطق.
أمي وصلت في اللحظة دي، ولما فهمت، حطت إيدها على بقها وصرخت صرخة موجوعة.
ثم بصت لـ شيرين… ولأول مرة، ضربتها بالقلم.
“إنتِ راضية دلوقتي؟! راضية بعد ما سمّمت قلبك لحد ما وصل السم لطفل مالوش ذنب؟!”
شيرين ما دافعتش عن نفسها. فضلت على الأرض بتعيط، كأنها أخيرًا شايفة الخراب الحقيقي اللي عملته.
وابني… كان نايم جوا، بأنفاس صغيرة هادية، غير مدرك إن الكبار اللي حواليه بيحاربوا أشباح أخطائهم فوق رأسه الصغير.
وفي اللحظة دي… دخلت أوضته.
وبصيت لوشه الطويل.
ووعدته همسًا: “أقسم لك… إن كل الشر ده هينتهي عندي. إنت مش هتكبر وسط كره زينا.”الأسابيع اللي بعد كده كانت الأصعب في حياتي.
جلسات دكاترة. تحاليل. مواعيد علاج طبيعي بدري جدًا لطفل لسه حتى ما كملش شهوره الأولى.
وأنا كل مرة أشوف ابني بيتعب…
لكن الغريب… إن أكتر حد كان موجود معايا في رحلة علاج ابني، كانت شيرين نفسها.
في الأول رفضتها. كنت كل ما أشوفها أحس إن صدري بيضيق. لكنها ما استسلمتش.
كانت تيجي المستشفى وتسكت. تقعد بالساعات تشيل الطفل عشان أنام نص ساعة. ولما أصحى ألاقيها بتغني له بصوت واطي وهي بتبكي.
وفي يوم، وأنا داخلة أوضة العلاج، سمعت الممرضة بتقول لها: “واضح إنه ابنك من كتر خوفك عليه.”
وشفت شيرين تبتسم بحزن وترد: “لا… ده الطفل اللي جه الدنيا بسبب وجعي… وأنا مستعدة أقضي عمري كله أصلّح ده.”
الكلمة خبطتني من جوا.
لأنها لأول مرة ما كانتش بتركز على نفسها. ولا غيرتها. ولا حرمانها.
كانت شايفة طفل صغير وبس.
مرت سنة.
وابني بدأ يتحسن فعلًا. الدكتور قال إن استجابته للعلاج ممتازة، وإن فرصته يعيش طبيعي بقت كبيرة جدًا.
اليوم ده… رجعت البيت وأنا حاسة إن جبل انزاح من فوق قلبي.
ولقيت شيرين قاعدة على الأرض بتلعب معاه بالمكعبات. كان بيضحك لها ضحكة صافية، ويمد إيده الصغيرة على وشها.
وفجأة قال أول كلمة واضحة: “ماما.”
البيت سكت.
أنا اتجمدت. أما شيرين… فوشها انهار.
الطفل كان بيبصلها هي.
يمكن عشانها أكتر واحدة كانت معاه طول الشهور الأخيرة. أكتر واحدة شالته، لعبت معاه، وفضلت جنبه وقت علاجه.
شيرين بدأت تهز راسها بسرعة ودموعها نازلة:
لكن هو ضحك ومد إيده لها تاني: “ماما.”
في اللحظة دي، كنت أقدر أكره. أغير. أوجعها زي ما اتوجعت.
لكن وأنا شايفة رعبها منالأيام بعد الليلة دي بقت مختلفة.
مش لأن الوجع اختفى… لكن لأن كل واحد فينا بدأ يواجه نفسه لأول مرة من غير هروب.
“شيرين” اختفت فترة. لا زيارات. لا رسايل. ولا حتى هدايا للبيبي.
وأنا، جزء مني ارتاح… وجزء تاني كان قلقان.
لحد ما في صباح شتوي، جالي اتصال من رقم مستشفى.
“حضرتك قريبة الآنسة شيرين نادية؟”
قلبي وقع.
روحت أنا وأحمد بسرعة.
ولما وصلت، شفت أمي قاعدة برة أوضة الطوارئ منهارة. وشها شاحب وعينيها منتفخة من العياط.
أول ما شافتني، قامت مسكت إيدي وقالت: “شيرين حاولت تموت نفسها…”
الدنيا سكتت حواليا.
عرفت بعدها إنها من أسبوع كانت بتاخد علاج نفسي في السر. وإن الإحساس بالذنب كان بيسحقها يوم بعد يوم، خصوصًا بعد كلام الدكتور عن ابني.
دخلت أوضتها ببطء.
كانت نايمة، وشها أصفر بشكل يخوف. أجهزة حوالين السرير، وريحت المستشفى خانقة.
ولأول مرة من سنين… شفت أختي ضعيفة فعلًا.
مش شريرة. مش حاقدة. بس إنسانة تايهة ومكسورة جدًا.
عينيها فتحت ببطء أول ما حسّت بيا.
بصتلي ثواني… ثم انفجرت في البكاء.
“أنا تعبت يا نادين… تعبت من نفسي.”
وقفت مكاني، قلبي بيشدني ناحيتها وخوفي بيرجعني لورا.
قالت بصوت متقطع: “أنا كنت فاكرة لو كسرتك…
دموعي نزلت غصب عني.
“عارفة أكتر حاجة قتلتني؟ إنك بعد كل اللي عملته… دخلتيني أشيل ابنك.”
الصورة عدت قدام عيني: إيديها المرتعشة وهي شايلة البيبي وبتبكي.
شيرين شهقت وهي بتحاول تتكلم: “أنا عمري ما كنت عايزة أبقى وحش… بس الوحدة والغيرة خلوني واحدة معرفهاش.”
قربت منها ببطء.
ولأول مرة من سنين طويلة… مسكت إيد أختي.
إيدها كانت ساقعة جدًا.
قلتلها وأنا ببكي: “إحنا الاتنين محتاجين نتعالج يا شيرين… مش نكسر بعض أكتر.”
انهارت في العياط، ومسكِت إيدي كأنها بتتعلق بالحياة نفسها.
بعد شهور، بدأ العلاج النفسي يغير حاجات كتير.
شيرين بقت أهدى. أمي بدأت تحضر جلسات معاها. وأنا… بطلت أهرب من خوفي.
أما ابني، فبدأ يتحسن تدريجيًا مع المتابعة والعلاج. وأول مرة ضحك فيها بصوت عالي… كلنا عيطنا.
وفي عيد ميلاده الأول، البيت اتملّى ناس من جديد. لكن المرة دي، مافيش زيف.
“شيرين” كانت قاعدة على الأرض بتلعب معاه، وهو بيشد شعرها ويضحك. وأمي في المطبخ بتعمل التورتة بإيديها، كل شوية تبصلي بخوف كأنها لسه مستنية إني أطردها.
قبل ما نطفي الشمعة، أحمد بصلي وقال: “قولي أمنية.”
بصيت حواليا.
على العيلة اللي اتكسرت… ثم حاولت تقوم تاني.
على أختي اللي النجاة بالنسبالها بدأت بالاعتراف بمرضها مش إنكارها. على أمي اللي فهمت متأخر إن الحب اللي
ابتسمت، وقلت بهدوء: “نفسي يكبر وهو عارف إن الرحمة… أقوى من أي وجع.”