"لو شقة التلات أوض دي إتباعت، نجيب بيهم شقتين صغيرين.. وكل عيل يبقى عنده شقته" - أهل جوزي كانوا بيقسموا ورثي وأنا علي قيد الحياة بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

لو شقة التلات أوض دي إتباعت، نجيب بيهم شقتين صغيرين.. وكل عيل يبقى عنده شقته أهل جوزي كانوا بيقسموا ورثي وأنا علي قيد الحياة بقلم منال علي 
وقفت مي قدام باب العمارة، رفعت عينيها لفوق ناحية الدور السابع، بصت على الشباك اللي منور تالت واحد من الشمال. شباكها هي.. شقتها هي. شقة تلات أوض وصالة، واسعة، الشمس بتملاها من أول النهار، ومطلة على جنينة صغيرة.. كل يوم جمعة كانت الشمس تفرش نورها على الأرضية وكأنها حتة دهب دافية بتطمن قلبها.
من خمس سنين، كانت واقفة في نفس المكان.. بس وقتها قلبها كان بيدق بجنون وكأنه هيطلع من ضلوعها. كان عندها تلاتة وعشرين سنة، ومعاها مفتاح شقتها الملك. مش أوضة إيجار بعفش متهالك، ولا سرير في سكن طالبات مغتربات.. لأ، ده بيتها الحقيقي، اللي بنته من شقاها وتعبها وسنين حرمان ميعلم بيها إلا ربنا حصري على صفحه روايات واقتباسات 
مي بدأت تشيل القرش على القرش من وهي عندها تمنتاشر سنة. أول شغلانة ليها كانت بياعة في محل مكياج في مول صغير. مرتبها كان تلات تلاف جنيه، كانت بتشيل منهم ألفين على جنب. كانت عايشة على المكرونة والبطاطس والفول، ومكنتش بتشتري هدوم خالص.. تلبس القديم وترقع فيه، وتصلح الجزمة عند الصرماتي لحد ما تدوب خالص ومتبقاش نافعة. بقلم منال علي 
بعدها اشتغلت في شركة أكبر بمرتب أحسن دخلت في السبعة تلاف. وبرضه كانت بتحوش أكتر من نصهم. تشتغل في الأعياد، تشيل شيفتات زيادة، وتوفر في اللقمة.. بعناد وسكوت مبيخلصش.
وبعد أربع سنين، جه أهم يوم في حياتها. البنك، الورق، التوقيعات. قرض عقاري لعشرين سنة.. بس في الآخر بقت شقتها. وكلمة شقتي دي كانت بالنسبالها

أغلى كلمة في القاموس.
لما نقلت فيها، مكنش فيها غير مرتبة وحلتين. العفش جابته حتة حتة الأول السرير، بعدين السفرة، وبعدين الدولاب. كل قطعة عفش كانت بالنسبالها ميدالية وتكريم لسهرها وتعبها.
مي كانت بتعشق الشقة دي لدرجة محدش فاهمها. كل يوم سبت تغسل الشبابيك بخل وجرائد، وتمسح الأرض لحد ما تبرق، وكل ليلة تنفض التراب وتظبط الستاير بالمللي. الناس كانت تستغرب ويقولولها
إيه يا بنتي؟ انتي هتحوليها متحف؟
كانت تضحك وتسكت.. محدش فاهم إن الشقة دي مش شوية طوب وأسمنت.. دي السند اللي هي عملته لنفسها.
صحابها كانوا يهزروا معاها
انتي شكلك بتحبي الشقة دي أكتر من البني آدمين!
وهي كانت عارفة إن كلامهم صح.. الشقة دي كانت بنتها البكرية.
كريم دخل حياتها بعد ما سكنت بسنة. اتقابلوا في حفلة تبع الشغل. كان طويل، ودمه خفيف، وبيعرف يرمي نكتة تضحك أي حد. عزمها على قهوة، بعدها سينما، وبعدها مكنوش بيفارقوا بعض. بقلم منال علي 
وبعد سنة اتجوزوا. فرح صغير في قاعة بسيطة، يدوب تلاتين نفر. أم كريم سنية كانت فرحانة بزيادة، وأبوه فاروق كان قاعد يوزع نصايح وحكم على الطالع والنازل.
سنية كانت ست صوتها عالي، بتحشر نفسها في كل حاجة، ومقتنعة إنها جهبذ زمانها. أما فاروق فكان هادي، بشنب أبيض، قليل الكلام.. بس الكلمة اللي تطلع منه تقلب كيان البيت.
كانوا بيزوروا مي وكريم كل أسبوع تقريبًا. كل زيارة عبارة عن كردون أمني وتفتيش في الشقة وتعليقات تحرق الدم.
هو انتوا محتاجين تلات أوض ليه وانتوا لسه فردين بس؟ سألت سنية وهي بتبص بقرف على الأوضة التالتة.
دي أوضة المكتب بتاعي ردت مي بهدوء.
مكتب؟! يا حبيبتي وانتي شغالة من البيت أصلاً؟

لأ.. بس بحب يبقى ليا مكاني الخاص اللي بختلي فيه بنفسي.
سنية بصت لابنها وقالت بلؤم
شوف مراتك خايفة على كل شبر في الشقة إزاي يا كريم.
كريم ضحك ببرود وبص الناحية التانية.
فاروق كمل كلامها
الشقة نضيفة بزيادة.. شوية وهتخلونا نقلع الجزم على السلم!
ابتسمت مي بالعافية.. هما مش فاهمين إن كل بلاطة هنا مدفوع تمنها بدم قلبها.
بس كانت بتعدي وتسكُت.. كانت فاكرة إن الجواز شيل وحط، وإن المشاكل بتهد البيوت.
المصيبة إن كريم عمره ما فتح بقه بكلمة يدافع عنها. كل ما أهله يرموا كلمة تسمّ بدنها، يسكت.. أو يعمل نفسه مش واخد باله وبيلعب في الموبايل.. وده كان بياكل في أعصابها من جوا.
عدت تلات سنين جواز. الشقة لسه باسم مي لوحدها. هي اللي اشتريتها بفلوسها، والقرض باسمها. وكريم عمره ما اعترض.. أصل إحنا واحد ومفيش فرق بينا.
وفي يوم جمعة بالليل، تليفونها رن.
يا ميوش، لازم تيجوا بكرة عندنا! عاملاكم دكر بط محشي يستاهل بقكم! قالتها سنية بحماس.
مي أصلًا مكنتش بتحب البط.. بس سنية كانت دايمًا هي اللي بتقرر والكل ينفذ.
حاضر يا طنط، الساعة كام؟
على ستة كده.. وم تنسيش تعملي السلطة الروسي بتاعتك اللي بتطلع من إيديكي زي العسل.
حاضر.
من الصبح، مي نزلت لفت وجابت الطلبات، وعملت بوله كبيرة سلطة. بعدها لبست فستان أزرق شيك، وكعب بسيط، وحطت مكياج هادي.
كريم خرج من الحمام وبصلها بإعجاب
إيه القمر ده؟ انتي زي السكر النهاردة.
ابتسمت بكسوف.. وقالت يا رب اليوم يعدي من غير نكد ولا تلميحات من اللي بتوجع.
بيت أهل كريم كان قديم، أوضتين وصالة، السقف واطي، والأرضية بتزيق تحت الرجلين. بالنسبة لسنية كان بيت العيلة الدافي، أما مي فكانت
بتحاول تغمض عينيها عن ورق الحيطان اللي بيقشر.
وصلوا الساعة ستة بالظبط. سنية فتحت الباب بلهفة
جبتي السلطة؟
أيوه يا طنط.
يا وعدي! الكمية دي كلها؟ الباقي كريم ياخده معاه وهو نازل الشغل بكرة.
في الصالون كان قاعد أحمد أخو كريم الصغير، ومعاه خطيبته ندى. أحمد نسخة من أخوه.. بس صوته أعلى وبجح حبتين.
أهلاً يا مي! عاش من شافك قالها وهو بيقوم يسلم.
وفجأة باب المطبخ اتفتح، وفاروق قال بصوت عالي وهو بيوجه كلامه لسنية
بقولك إيه يا سنية.. لو شقة كريم ومي دي اتباعت، ممكن نجيب بيهم شقتين صغيرين.. واحدة لأحمد وندى يتجوزوا فيها، وواحدة ليهم هما الاتنين. ما هما لسه مخلّفوش أصلاً ولا فارق معاهم الوسع ده كله..
مي اتسمرت في مكانها.. ملامحها اتخطفت.. وهي لسه ماسكة طبق السلطة الروسي بين إيديها وكأن حد ضربها قلم على وشها ووووووو 
أكمل  
صلوا على حبيبنا و شفيعنا محمد ﷺ 
لايك و كومنت بتم وتابع الباقي في التعليقات مي خرجت من الصالون، وكل خطوة كانت تقيلة بس ثابتة كأنها بتسحب وراها سنين سكوت مش بس جسمها.
وراها، صوت سنية كان بيعلى بتمشي؟! على فين يعني؟!
وفاروق قال بنبرة أهدى بس أقسى خليها تتهور وبكرة ترجع زعلانة.
كريم اتلخبط، قام بسرعة وجرى وراها في الممر مي! استني! انتي واخدة الموضوع بطريقة غلط!
وقفت.
بس ما بصتش له.
قالت بهدوء أنا أول مرة آخد حاجة صح يا كريم طول الجواز وأنا بديكم أعذار بدل ما أدي نفسي حقها.
سكت.
قرب خطوة وقال بنبرة أقل ثقة إحنا عيلة واحدة مفيش حد كان قصده حاجة وحشة.
لفتله أخيراً، وعينيها فيها إرهاق مش غضب لما حد يتكلم عن بيع بيت مش بيته وهو عارف إنه مش بتاعه يبقى القصد وحش ولا
لأ؟
كريم فتح بقه وبعدين سكت.
من وراهم، سنية ظهرت في آخر الممر،
تم نسخ الرابط