بنتي قالتلي إن فيه راجل بيدخل أوضتنا كل ليلة وفي الليلة دي قررت أعمل نفسي نايم عشان أمسكه.
اتعلمت درس مايتنسيش
مش كل حاجة غامضة في حياتك لازم تخوفك
بعضها بس محتاج إنك تسأل قبل ما تحكم.
الهواري
صلي على الحبيب مرت شهور على اللي حصل، والبيت رجع له هدوء مختلف هدوء مبني على فهم مش على شك.
مراتي بدأت تتحسن تدريجيًا، وكان في أيام بتقوم فيها وتضحك من قلبها كأنها رجعت لنفسها تاني خطوة خطوة.
أنا كنت باخد بالي من حاجات عمري ما كنت بشوفها قبل كده
إنها كانت دايمًا قوية أكتر مما بين.
وفي ليلة من الليالي، بعد ما سونيا نامت، قعدنا إحنا الاتنين في الصالة.
من غير توتر، من غير خوف.
قالتلي بهدوء
عارف؟ أنا كنت خايفة من اللحظة اللي هتعرف فيها مش من المرض نفسه.
سكت شوية، وبعدين قلت لها
وأنا كنت خايف من اللي مش موجود لحد ما ضيّعت وقتي في الخوف ده.
ابتسمت.
مش ابتسامة كبيرة بس كفاية ترجع حاجات كانت مكسورة.
في اللحظة دي سونيا نادت علينا من الأوضة بنعاس
بابا ماما
بصّينا لبعض وقمنا.
لأن الحقيقة البسيطة اللي اتعلمناها أخيرًا كانت
إن أهم قصة في حياتنا مش اللي حصل زمان
لكن اللي بنختار نكمّله سوا بعده.
الهواري
صلي على الحبيب بعدها بسنين، سونيا كبرت شوية وبقت تفهم أكتر مما كنت متخيل.
وفي مرة وهي عندها 12 سنة، رجعتلي بنفس السؤال القديم، بس بصوت أهدى
بابا هو أنت كنت خايف ليه زمان؟
سكت شوية، وبصيت لها.
مشيت بإيدي على شعرها وقلت
كنت خايف أصدق حاجة مش حقيقية وأضيع الحقيقة اللي قدامي.
هزّت راسها كأنها فاهمة، وبعدين قالت
أنا كمان كنت خايفة بس دلوقتي بقيت أفهم إن مش كل حاجة بنشوفها بنحكم عليها بسرعة.
في اللحظة دي، مراتي كانت واقفة عند باب الأوضة، بتسمعنا.
ابتسمت من غير ما تتكلم.
كأننا كلنا في بيت واحد، أخيرًا بقينا بنتكلم نفس اللغة.
والغريب إن كل الذكريات اللي كانت مرعبة زمان، بقت مجرد دروس
مش لأن الألم اختفى
لكن لأننا بقينا نعرف نعديه سوا.
وفي آخر الليل، لما سونيا نامت، مراتي همستلي
عارف؟ أسوأ ليلة في حياتنا كانت بداية إننا نفهم بعض صح.
وسكتنا.
بس المرة دي كان سكون مريح.
الهواري
صلي على الحبيب سنين عدّت والبيت اللي كان مليان شك وخوف، بقى مليان تفاصيل بسيطة لكنها دافئة.
سونا دخلت الجامعة، ومراتي رجعت تشتغل تدريجيًا بعد ما صحتها استقرت، وأنا بقيت أبص لحياتي كلها بشكل مختلف.
وفي يوم، وإحنا قاعدين على نفس السفرة القديمة، قالت سونيا فجأة
فاكرين أول مرة قولتلكم فيها عن الراجل اللي كان بييجي؟
ضحكت مراتي وقالت
إزاي ننسى اللي قلب حياتنا؟
سكتت سونيا لحظة، وبعدين قالت
أنا بس كنت طفلة بس يمكن ربنا خلّى كلامي سبب إننا نسمع لبعض بجد بعدها.
ساعتها بصيت لهم الاتنين وحسيت إن كل اللي فات، بكل ارتباكه وخوفه، كان بيقودنا لليوم ده.
مش كل
فيه قصص نهايتها إن الناس ترجع تشوف بعض من جديد.
الهواري
صلي على الحبيب بعدها بسنة، حصل موقف بسيط لكنه رجّع كل الذكريات تاني في لحظة.
كنت بترتب أوضة سونيا القديمة، ولقيت دفتر صغير مستخبي بين الكتب.
فتحتُه ولقيت رسومات طفولية غريبة شوية.
بيت سرير ورسم لشخص واقف عند الباب.
وتحت الرسم مكتوب بخط طفولي
هو كان بيطمن علينا مش بيخوفنا.
وقتها فهمت حاجة مهمة جدًا
إن عقل الطفل مش بيختلق الخوف زي ما كنت فاكر.
هو بيحاول يفسر حاجة شافها، من غير ما يملك كل القطع.
قعدت على الأرض، وفضلت أتفرج على الرسومات شوية طويلة.
دخلت مراتي وسألتني
مالك؟
ورّيتها الدفتر.
سكتت، وبعدين قالت
حتى وهي صغيرة كانت بتحاول تطمّن نفسها بطريقتها.
قفلنا الدفتر، وخرجنا نقعد مع بعض في الصالة.
من غير كلام كتير.
بس للمرة الأولى من زمان حسّيت إن الماضي ما بقاش بيطاردنا.
بقى
الهواري
صلي على الحبيب