أديت آخر 10 دولارات كانت معايا لراجل مشرد سنة 1998 والنهارده محامي دخل مكتبي بصندوق
أديت آخر 10 دولارات كانت معايا لراجل مشرد سنة 1998…
والنهارده محامي دخل مكتبي بصندوق… ولما فتحته، انفجرت في الدموع.
كان عندي 17 سنة لما خلفت توأم.
سبعتاشر سنة بس… مفلسة، تعبانة، وبحاول أكمّل دراستي وأفضل متفوقة، عشان كنت مصدقة إن التعب هيكافئني في يوم.
بس أهلي قطعوا علاقتهم بيا.
قالوا إني ضيّعت كل حاجة… وسابوني لوحدي تمامًا.
في نوفمبر 1998، كنت طالبة وأم لطفلين، شايلّاهم على صدري، عايشة على أكل بسيط جدًا، وبشتغل شيفتات بالليل في المكتبة عشان أعرف أعيش.
في ليلة شتا تقيل في سياتل…
كان معايا بالظبط 10 دولارات.
آخر حاجة أملكها.
وفجأة شوفته…
راجل كبير في السن، واقف تحت شمسية بايظة، المطر مغرقه، وبيترعش بطريقة توجع القلب… كأنه مش موجود أصلاً.
الإحساس ده أنا كنت عارفاه كويس.
من غير ما أفكر، طلعت آخر 10 دولارات وحطيتهم في إيده وقلتله:
"لو سمحت… هات حاجة تدفيك."
بصلي نظرة عمري ما هنساها…
وسألته: "اسمك إيه؟"
قال بهدوء: "آرثر."
ومشيت…
مشيت 3 كيلو في المطر شايلة ولادي، وبقول لنفسي إني غبية… إني ما ينفعش أدي وأنا أصلاً محتاجة.
عدّى 27 سنة…
بقيت عندي 44 سنة.
بناتي كبروا، بس الحياة فضلت صعبة.
واحدة منهم تعبت جدًا من سنتين… عمليات وعلاج وفواتير كتير.
كنت بغرق تاني.
النهارده الصبح، وأنا قاعدة على مكتبي ببص على فاتورة متأخرة…
قاللي:
"حضرتك نورا؟"
حط قدامي صندوق قديم وقال:
"أنا محامي… وبمثل تركة شخص اسمه آرثر. فضل سنين بيدوّر عليكي."
الدنيا وقفت.
آرثر؟ الراجل المشرد؟!
قاللي:
"كان سايبلك حاجة… ولازم توصلك بإيدي."
فتحنا الصندوق ببطء…
وجواه…
انفجرت في الدموع.ووووجواه…
مفتاح قديم جدًا، متآكل من الزمن، عليه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط مرتعش:
"للي أنقذتني يوم ما كنت ميت وأنا ماشي."
وتحتها ظرف سميك محكم الإغلاق، شكله ما اتفتحش من سنين.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف.
أول حاجة وقعت منه كانت شيك… بس مش شيك عادي.
رقم ضخم لدرجة إن عقلي رفض يستوعبه في الأول.
وبعدين ورقة تانية.
وصية.
المحامي قال بصوت هادي: "آرثر ماكنش مشرد… كان رجل أعمال كبير، اختفى بإرادته بعد ما خسر كل حاجة في انهيار مالي سنة 1998. كان بيدوّر على أي حاجة تخلّيه يحس إنه لسه إنسان."
سكت لحظة وبعدين كمل: "كان بيقول دايمًا: الست اللي ادّتني آخر حاجة تملكها… أنقذتني من الانتحار."
بصيت له وأنا مش قادرة أتنفس.
قال: "بعد سنين، رجع يبني نفسه من الصفر… وكل قرش كسبه بعد كده كان بيحط فيه اسمك."
رجع يفتح الظرف التاني.
وكان فيه رسالة أخيرة، مكتوبة بخط مختلف، أهدأ… كأنه اتكتب في آخر لحظة هدوء في حياته:
"أنا ما نسيتش المطر… ولا إيدك وهي بتمدلي العشرة دولارات. كنت
سكت المحامي.
وأنا لقيت نفسي لأول مرة بعد سنين طويلة… مش بفكر في الفواتير، ولا الألم، ولا التعب.
بفكر في لحظة واحدة بس: إزاي فعل صغير جدًا… قدر يغير حياة كاملة من غير ما أعرف.المحامي كان لسه واقف، لكن أنا كنت حاسة إن الغرفة كلها بتدور حواليا.
رفعت عيني له وقلت بصوت مكسور: "هو… لسه عايش؟"
هزّ راسه بهدوء.
"لا… توفى من 6 شهور. قبل ما يمشي، كتب وصيته النهائية وطلب إنك توصّلي الحاجة دي بنفس اليوم اللي بنوصلها فيه."
سكت لحظة، وبعدين أضاف: "كان بيقول دايمًا: لو حصل لي حاجة، أهم حد لازم يعرف إن حياته ما راحتش هدر هي نورا."
مسكت الصندوق بإيدي الاتنين كأنه حاجة بتتنفس.
وفجأة، المحامي طلع ظرف صغير تاني من جيبه.
"فيه حاجة كمان… كان مُصرّ إنها تتسلم لك لوحدك."
فتحته.
كان فيه صورة قديمة.
أنا… شابة، في المطر، شايلة طفلين، وواقفة أدي الراجل الورق.
الصورة اتاخدت من بعيد.
رجعت بصيت للمحامي: "مين اللي صور ده؟"
ابتسم ابتسامة حزينة: "آرثر نفسه… من نفس الليلة. كان بيدوّر عليكي من وقتها، بس ما كانش يقدر يقرب. قال إنه كان لازم يتعلم يعيش الأول عشان يستحق يقولك شكرًا."
سكتت.
والمرة دي مش بس دموعي اللي نزلت… لأ، إحساس غريب
كأن كل السنين اللي اتسرقت مني، فجأة لقيت لها معنى.
المحامي قام يستأذن، وقبل ما يمشي قال: "في شرط أخير في الوصية…"
رفعت راسي.
"آرثر كتب إنك لو قبلتي، تبقي شريكة في مؤسسة خيرية باسمك… تساعدي الناس اللي في نفس وضعه زمان."
بصيت للصندوق… وبعدين لنفسي… وبعدين لذكرياتي القديمة اللي كانت بتجري في المطر.
وابتسمت لأول مرة من سنين.
وقلت: "هو بدأها بعشرة دولارات… وأنا هكملها."المحامي وقف مكانه لحظة كأنه بيتأكد إنه سمع صح.
وبعدين قال بهدوء: "دي كانت بالظبط كلماته… قال: هي مش هتسيب الخير يقف عند لحظة واحدة."
سكت، وخرج.
وقعدت لوحدي في المكتب.
الصندوق قدامي، مفتوح، بس أنا كنت حاسة إن اللي اتفتح جوايا أكبر بكتير.
عدّى أسبوعين.
كنت لسه مش مستوعبة اللي حصل، لكن الورق بدأ يتحول لحاجات حقيقية: مؤسسة باسم "نورا وآرثر".
في الأول كنت رافضة الفكرة… إزاي أنا اللي كنت مش لاقية عشرة دولارات أبقى مسؤولة عن مؤسسة؟
لكن كل مرة كنت أتردد، كنت بفتكر المطر… وبفتكر إيده وهو بيرتعش… وبفتكر لحظة ما مددتله آخر حاجة عندي من غير ما أفكر.
وفي يوم افتتاح أول فرع صغير للمؤسسة في سياتل، وقفت قدام باب المكان.
كان مكتوب عليه:
"مش لازم تكون غني عشان تنقذ حياة… يكفي إنك تكون إنسان."
وقفت أتفرج على ناس غريبة عني… بس قصصهم شبه قصتي زمان.
ست شايلة