بنتي اللي عندها 8 سنين رفعت غطاء "تورتة عيد ميلادها" قدام العيلة كلها،
مش بالمكياج والهيبة المعتادة... كانت لابسة إسدال بسيط، وشعرها منكوش، وعينيها وارمة من العياط.
وراءها شنطة هدوم صغيرة.
قالت بصوت مكسور طردني... ابني قفل باب بيته في وشي.
كنت هقفل الباب، لكنها قالت بسرعة
أنا جاية عشان أقولك السر الأخير... السر اللي لو عرفتيه، هتعرفي ليه كنت بكرهك بالشكل ده.
وقفت مكاني.
دخلت وقعدت على طرف الكنبة، وإيدي متشبكة من الغضب.
قالت وهي بتفرك صوابعها يوم فرحك على خالد... أخويا ما ماتش في حادثة عادية.
قلبي دق بعنف.
مات بعد ما سكر وشرب، وركب عربيته يجري وراح خابط في عمود.
سكتت ثواني، وبعدين كملت
قبل ما يموت بدقايق، كان باعتلي رسالة صوتية... قال فيها هناء قالتلي لأ، وأنا ضيعت نفسي.
شهقت إنتي بتلوميني على موته؟!
صرخت وهي بتضرب على صدرها كنت بلوم أي حد غير نفسي! أنا اللي دلعته، وأنا اللي علمته ياخد اللي عايزه. بس ماقدرتش أواجه نفسي... فكرهتك إنتي.
الصالة سكتت.
ولأول مرة... شفتها مش شيطانة.
شفتها أم فاشلة، دفنت وجعها جوه سمّ.
في اللحظة دي خرج خالد من أوضة النوم، كان سامع كل حاجة.
بصلها وقال يعني دمرتي
نزلت عينيها للأرض.
قال أنا هتكفل بمصاريفك ومسكنك، لأنك أمي... لكن انتهى حقك في حياتنا.
قامت وهي بتترنح.
قبل ما تخرج، وقفت قدام أوضة ليلى.
الباب كان موارب، والبنت واقفة تسمع.
مدت إيدها ناحيتها، لكن ليلى استخبت ورايا.
وسألتها بصوت صغير موجوع
تيتة... أنا كنت بحبك. ليه كسرتيني؟
السؤال نزل عليها أقسى من ألف إهانة.
انهارت على الأرض تبكي، لكن محدش قرب.
خرجت بعدها... وما رجعتش تاني.
مرّت شهور.
ليلى دخلت علاج نفسي بسيط، وبدأت ترجع تضحك.
وأنا وخالد بدأنا نحاول نصلّح اللي اتكسر.
مش كزوجين بس...
كأبوين اتأخروا يفهموا إن حماية الطفل مش أكل وشرب ومدارس.
الحماية... إنك تمنع السم يوصل لقلبه.
وفي يوم عيد ميلادها التاسع...
جبتلها تورتة صغيرة.
هي اللي فتحتها بنفسها.
وكان جواها ورقة واحدة.
فتحتها، وقريت بصوت عالي
إنتي بنتنا... بالحب، وبالروح، وبكل اختيار عملناه.
بصتلي، وبصت لأبوها...
وقالت وهي بتضحك لأول مرة من قلبها
المفاجأة دي أحلى عدّى سنة كاملة.
البيت بقى أهدى... أدفى... وكأننا أخيرًا بنعيش من غير خوف.
ليلى بقت في تالتة ابتدائي، شخصيتها أقوى، وبقت كل ليلة قبل النوم تيجي تبوسني وتقول ماما، أنا عارفة إني محبوبة.
الجملة دي كانت بتلمّ بقايا قلبي كل مرة.
أما خالد، فكان بيحاول كل يوم يصلّح سنين الصمت. بقى يحضر اجتماعات المدرسة، يعمل الفطار، ويقف في صفي لو أي حد تجاوز.
لكن في مساء شتوي، وإحنا بنتعشى، جرس الباب رن.
فتحت...
واتجمدت.
ست كبيرة في الستينات، ماسكة شنطة قديمة، وعينيها مليانة دموع.
وراها راجل هادي الملامح، وشاب شبه ليلى بشكل مرعب.
الست همست أنا... أمك الحقيقية يا ليلى.
المعلقة وقعت من إيد بنتي.
خالد قام واقف.
وأنا حسيت الأرض بتميد.
الست طلعت جواب قديم وصور مستشفى، وقالت وهي بتبكي ما رميناش بنتنا... اتسرقت مننا.
الدنيا اسودّت قدامي.
قعدنا كلنا، وبدأت الحكاية.
من تسع سنين، الست كانت والدة في مستشفى خاص. حصل حريق صغير وفوضى في قسم الأطفال. بعدها بلغوهم إن البنت ماتت اختناقًا، وسلموهم شهادة وفاة وجثمان ملفوف ممنوع فتحه.
لكن من شهور، ممرضة كانت شغالة هناك قبل ما تموت، اعترفت لابنها إن في أطفال اتبدلوا واتباعوا وقت الفوضى.
وابنهاالراجل اللي واقف قداميفضل يدور لحد ما وصل لتحليل يربط ليلى بيهم.
خالد قال بصدمة يعني بنتي...
رد الراجل بهدوء هي بنتكم بالتربية... وبنتنا بالدم.
ليلى كانت بتترعش.
بصتلي يعني هسيبك؟
حضنتها فورًا.
مفيش حد هيبعدك عني.
لكن الصدمة الأكبر لسه جاية.
الراجل طلع اسم الموظفة اللي استلمت الطفلة يوم الحريق... الاسم كان
ماجدة عبدالسلام.
حماتي.
نفس الست.
هي اللي اشترت طفلة مسروقة... وربت الكذبة سنين... وبعدين حاولت تكسرها لما فشلت تتحكم فيها.
خالد وقع على الكنبة وهو بيقول أمي عملت كل ده؟
الست الكبيرة قربت من ليلى وقالت أنا مش جاية أخدك... أنا جاية أشوفك بس، وأقولك إننا عمرنا ما سبناكي.
ليلى فضلت ساكتة، وبعدين راحت عندها ببطء...
ولمست وشها.
وقالت أنتي شبهّي.
الست انهارت من البكاء.
ومن يومها...
بقى عند ليلى أمّين.
واحدة ولدتها... وواحدة ما نامتش ليالي عشان تربّيها.
أما ماجدة...
فلما وصلها خبر إن الحقيقة اتكشفت، جالها انهيار عصبي، ورفضت تقابل حد.
وفي أول زيارة لليلى ليها في المصحة، وقفت قدامها وقالت
أنا سامحتك... بس عمري ما هرجع
وفي لحظة نادرة من العدل...
الطفلة اللي حاولوا يكسروها، بقت أقوى واحد فيهم كلهم.