**"يا بابا، هو مين الراجل اللي كل يوم بيلمس جسم ماما بقماشة حمراء وإنت نايم؟
يوم، ودّينا سجدة لطبيب أطفال متخصص، وبعد فحوصات وكلام طويل، سألنا
في حد بيحكي للبنت قصص رعب؟ أو بيسيبوها تشوف فيديوهات مخيفة؟
افتكرت على طول.
جارتنا أم كريم... كانت كل يوم تاخد سجدة عندها ساعتين بعد المدرسة لحد ما نرجع.
سألنا سجدة بهدوء، فقالت
تيتا أم كريم كانت بتحكيلي عن العفاريت، وتقول لو قلت لحد هتظهرلك البنت اللي تحت السرير.
روحت عند الجارة في نفس اليوم، وواجهتها.
قالت ببرود
كنت بخوفها بس عشان تسمع الكلام.
وقتها فقدت أعصابي، وقطعت علاقتنا بيها نهائي.
بعد شهور من العلاج والاهتمام، سجدة رجعت تضحك وتلعب وتنام في أمان.
وفي يوم، سألتني
بابا... البنت اللي تحت السرير راحت فين؟
ابتسمت وقلت
أول ما عرفنا الحقيقة... اختفت.
ومن يومها فهمت إن أسوأ الوحوش...
مش اللي تحت السرير... لكن اللي يزرع الخوف جوه طفل صغير مرت سنة كاملة.
سجدة بقت أقوى، تضحك بصوت عالي، تنام لوحدها، وتصحى للمدرسة وهي بتغني. هناء كمان اتغيرت؛ بقت أكثر وعيًا، ووقفت أي خرافات نهائي، وبيتنا أخيرًا رجع بيت
افتكرت إن الصفحة اتقفلت.
لحد يوم ترتيب المخزن.
كنت بنقل كراتين قديمة، ولقيت صندوق لعب خاص بسجدة من وهي صغيرة. فتحت وأنا مبتسم... لكن ابتسامتي اختفت لما لقيت جواه دفتر رسم قديم.
قلبت الصفحات.
رسومات عادية... بيت، شمس، عيلة ماسكة إيد بعض.
لحد صفحة في النص.
رسمة سرير كبير... وتحته بنت بشعر طويل.
وتحت الرسمة مكتوب بخط أطفال متكسر
دي صاحبتي اللي بتلعب معايا لما ماما وبابا يتخانقوا.
جسمي كله برد.
أنا وهناء بصينا لبعض.
إحنا فعلًا كنا بنتخانق كتير وقتها... قبل ما نلاحظ تأثير ده عليها.
كملت تقليب.
صفحة تانية فيها نفس البنت واقفة جنب سجدة، ومكتوب
قالتلي متقوليش لحد.
هناء بدأت تبكي.
قالت بصوت مكسور
إحنا افتكرنا المشكلة من الجارة... بس شكل الخوف كان أقدم من كده.
خدنا الدفتر وروحنا للأخصائية النفسية اللي كانت متابعة مع سجدة.
قعدت تقلب الرسومات، وقالت بهدوء
دي مش بنت حقيقية... غالبًا عقلها اخترع شخصية خيالية تحتمي بيها من التوتر والصراخ في البيت.
الكلام وجعني أكتر من أي
يعني وأنا فاكر نفسي بحارب الوحوش بره...
كنت بصنع واحد جواها.
رجعنا البيت ساكتين.
بالليل دخلت أوضة سجدة، لقيتها نايمة وحاضنة دبدوبها.
قعدت جنبها، وبوست راسها، وقلت وأنا هامس
آسف يا بنتي... آسف إني خليتك تحتاجي صاحب تحت السرير.
فتحت عينيها نص فتحة، وقالت بنعاس
متزعلش يا بابا... هي مشت لما بقينا بنضحك.
وقتها دموعي نزلت.
ومن يومها اتعلمت إن الأطفال ما بينسوش الأصوات العالية...
هم بس بيحولوها لحكايات عشان يقدروا يعيشوا بعد الكلام ده بشهرين، قررنا نبدأ من جديد.
أنا وهناء دخلنا جلسات أسرية، واتعلمنا إزاي نختلف من غير ما نكسر بعض، وإزاي نعتذر قدام بنتنا بدل ما نمثل إن مفيش حاجة حصلت.
سجدة كانت بتتحسن بسرعة مدهشة.
لكن في ليلة شتوية، وأنا بعدّي جنب أوضتها عشان أطمن عليها، سمعتها بتتكلم.
وقفت قدام الباب.
صوتها كان واطي وهادي
لأ... أنا مبقتش محتاجاكي.
قلبي اتقبض.
فتحت الباب بهدوء.
لقيتها قاعدة على السرير، حضنة رجليها، وباصّة تحت السرير.
قلت بلطف
بتكلمي مين يا حبيبتي؟
رفعت
بقول باي باي.
لمين؟
أشارت تحت السرير.
ركعت وبصيت... مفيش غير علبة ألوان قديمة ودبدوب واقع.
قلت وأنا بحاول أضحك
لصاحبتك القديمة؟
هزت راسها.
قالتلي إنها لازم تمشي... عشان أنا بقيت شجاعة.
هناء كانت واقفة ورايا، وأول ما سمعت الجملة غطت وشها وعيطت.
قربت من سجدة، وشلتها في حضني.
وإنتِ زعلانة إنها ماشية؟
فكرت شوية، وبعدين قالت
شوية... أصل هي كانت بتيجي لما أبقى لوحدي.
الجملة كسرتني.
يعني حتى الوهم... كان بيسندها أكتر مننا وقت ضعفنا.
تاني يوم، الأخصائية ابتسمت لما حكينالها.
قالت
دي علامة نضج وتعافي. الأطفال أحيانًا يودعوا الشخصيات الخيالية لما يحسوا بالأمان الحقيقي.
في المساء، عملنا حاجة بسيطة.
جبنا ورقة، وخليّنا سجدة ترسم البنت اللي تحت السرير للمرة الأخيرة.
رسمتها أصغر من كل مرة... وبدون ملامح مخيفة.
بعدها طوت الرسمة بنفسها، وحطتها في صندوق الألعاب، وقالت
خلاص... دي ذكرى.
سألتها
ولو رجعت؟
ابتسمت بثقة
هقولها شكراً... بس مكاني اتملّى.
ومن يومها، فهمت إن
الشفاء إننا مبقاش محتاجين الألم عشان نحس إن في حد معانا.