لما وقعت على السلم قررت أعمل نفسي مغمى عليّ علشان أختبر المربية الجديدة لابني.
كان جواه ورقة واحدة… بخط ندى.
"أحمد…
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى يا إما أنا سبت الدنيا… يا إما أنت رجعت للحياة.
أنا عارفة إنك بتحب بطريقتك، لكنك ضعيف قدام وجعك. هتهرب للشغل، وهتفتكر إن الفلوس هتسد مكان الناس.
بس اسمعني كويس…
ياسين مش محتاج شركة تورثهاله…
ومحتاج يسمع كلمة (أنا فخور بيك) أكتر من أي رقم في البنك.
ولو الحاجة أمينة فضلت جنبك، اعرف إنها بتحارب علشاننا كلنا.
آخر طلب عندي…
لما قلبك يلين، روح لأبوك."
وقفت عند آخر سطر.
روح لأبوك.
اتنهدت بقوة، وحسّيت الأرض بتتهز تحتي.
أبويا…
الراجل اللي ماكلمتوش من عشر سنين.
من يوم ما اتخانقنا في جنازة أمي، وخرجت من بيته وأنا حالف ما أشوفه تاني.
الحاجة أمينة بصتلي وقالت بهدوء: "الراحلين بيسيبولنا أبواب مفتوحة… بس إحنا اللي بنتأخر."
تاني يوم، سقت العربية وسافرت البلد القديمة اللي اتربيت فيها.
وصلت بيت صغير متواضع، الباب
خبطت.
ثواني… والباب اتفتح.
لقيت راجل عجوز، شعره أبيض، ضهره محني… لكن عينيه نفسهم.
أبويا.
بصلي كتير… كأنه مش مصدق.
وقال بصوت مرتعش: "أحمد؟"
وقفت عاجز عن الكلام.
كل الغضب، كل السنين، كل العناد… وقع في لحظة.
قلت: "أنا جاي آخدك معايا."
دموعه نزلت فورًا.
وقال: "بعد العمر ده كله؟"
ابتسمت وسط دموعي: "لسه بدري."
ولأول مرة من سنين
ولما رجع معايا البيت، ياسين جري عليه وسأله:
"إنت مين؟"
بصيت له وقلت مبتسم:
"ده جدك… والبيت أخيرًا كمل."وجود أبويا في البيت قلب الدنيا بشكل ماكنتش متوقعه.
ياسين اتعلّق بيه من أول يوم… كان يقعد على رجله بالساعات يسمع حكايات زمان، ويضحك على مغامراتي وأنا صغير.
وأنا كنت واقف بعيد أحيانًا، أتفرج عليهم، وأكتشف لأول مرة إن الراجل اللي شفته طول عمري قاسي… كان جواه حنان كبير، بس عمره ما عرف يعبّر.
في ليلة، كنا قاعدين كلنا على
فجأة، أبويا سكت.
المعلقة وقعت من إيده.
وشه اصفرّ، وإيده راحت على صدره.
صرخت: "بابا!"
وقع على الأرض قبل ما ألحقه.
نقلناه المستشفى بسرعة، والدكاترة دخلوا بيه الطوارئ.
الوقت في الممر كان واقف.
ياسين نايم على كتف الحاجة أمينة، وهي بتقرأ قرآن بصوت واطي، وأنا ماشي رايح جاي كالمجنون.
بعد ساعة، الدكتور خرج.
بصلي وقال: "الجلطة كانت قوية… بس لحقناه."
وقعت على الكرسي من شدة التوتر.
لكن الدكتور كمل: "في حاجة لازم تعرفها… والدك كان مهمل صحته من سنين، ورافض العلاج."
دخلتله الأوضة بعد شوية.
لقيته موصل بأجهزة، ضعيف جدًا.
قربت منه، قلت: "ليه يا بابا؟ ليه سبت نفسك كده؟"
بصلي بعين مليانة تعب، وقال:
"لأني من يوم ما خرجت من عندي… ماعادش كان في سبب."
سكتت… ودموعي نزلت.
مسكت إيده لأول
قلت: "أنا آسف."
هز راسه بالعافية.
وقال: "وأنا آسف… ربّيتك على الخوف بدل الحب."
فضلنا نبكي إحنا الاتنين.
وبعد أيام خرج من المستشفى، لكن بقى لازم يعيش بنظام وعلاج ومتابعة.
وقتها قررت أقلل شغلي رسميًا، وسلّمت جزء كبير من الإدارة لفريقي.
الناس استغربت.
مدير تنفيذي ناجح فجأة بيبعد؟
لكنهم ماكانوش فاهمين إن في حاجات أهم من الأرباح.
في يوم جمعة، كنت في الجنينة، أبويا على كرسيه، ياسين بيلعب، والحاجة أمينة بتسقي الورد.
بصيت للمشهد، وافتكرت نفسي من سنة واحدة…
راجل غني، وحيد، قلبه ميت.
دلوقتي؟
مش أغنى… لكن أغنى بكتير.
وفجأة الحاجة أمينة نادتني:
"يا أستاذ أحمد… في واحد برا عايزك."
خرجت للبوابة.
لقيت راجل لابس بدلة شيك، ماسك ملف.
قال: "أنا محامي المرحومة ندى."
اتجمدت مكاني.
قال: "في وصية أخيرة… اتأجل تنفيذها للوقت المناسب."
وسلّمني الملف.
فتحته بإيد مرتعشة…
وأول
"أوصي بنقل ملكية الفيلا كاملة باسم…"