الراجل الثري رجع للبيت اللي سابه وهو طفل… واتجمد مكانه لما اكتشف إن البيت عمره ما كان مهجور فعلًا
الراجل الثري رجع للبيت اللي سابه وهو طفل… واتجمد مكانه لما اكتشف إن البيت عمره ما كان مهجور فعلًا، وإن في حد عايش جواه، بيحرس سر قادر يهد كل حاجة كان فاكرها عن ماضيه.
ماجد الحسيني ماكانش فاكر آخر مرة حتى همس باسم الشارع ده.
أكتر من أربعين سنة، وهو حابس الاسم جواه… زي جرح رافض يخف.
عربيته الفخمة وقفت قدام البيت.
لفة مفاجئة.
اجتماع اتلغى.
وضيق غريب في صدره ساقه للمكان من غير إنذار.
ودلوقتي… البيت واقف قدامه.
لسه موجود.
صغير.
مايل شوية.
دهانه متشقق، وشبابيكه مغبّرة كأنها عيون مرهقة رافضة تقفل.
نزل ماجد من العربية ببطء.
سكون الحي كان ضاغط عليه.
لا ضحك.
لا أصوات.
ولا أي ذكرى فيها دفء.
بس الهوا… وحاجة تانية معلقة في الجو.
باب البيت كان موارب.
المنظر ده لوحده جمد الدم في عروقه.
مفيش حد له سبب يدخل البيت ده من سنين طويلة.
كان متسجل إنه غير صالح للسكن بعد ما أبوه وأمه ماتوا.
وهو بنفسه اتأكد إنه يفضل مقفول، منسي، ممسوح من الزمن.
لكن… الباب فتح بصرير خافت.
دخل.
ريحة المكان رطوبة… لكن مش فاضي.
في آثار رجِل جديدة.
بطانية متنية بعناية فوق كرسي مكسور.
وعلى الترابيزة
ماجد حس قوته بتنهار.
مشى خطوة خطوة… كأن البيت كان مستنيه يواجهه.
كل حيطة كانت بترجع له ذكرى:
الركن اللي كان بيذاكر فيه،
العلامة اللي أبوه كان بيقيس عندها طوله،
المطبخ اللي اتعلم فيه يخبي جوعه ورا الكدب.
وفي الآخر وصل للجناح السفلي…
الجزء اللي ما اتفتحش من يوم ما كان عنده 12 سنة.
الباب كان مفتوح على آخره.
دخل.
سرير مترتب.
مش مثالي…
بس واضح إن في حد مهتم بيه.
وعلى المخدة… صورة قديمة.
باهتة.
هشة.
هو.
وعنده سبع سنين.
بيضحك.
مش عارف حاجة.
وتحتها ورقة بخط مرتعش:
"أنا ما سبتش بإرادتي… ولو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنت أخيرًا رجعت."
وقعت الصورة من إيده.
الماضي ما اختفاش.
الماضي كان مستنيه.ماجد حس رجليه مش شايلينه.
بص للورقة مرة تانية… كأنه مستني الكلام يتغير.
"أنا ما سبتش بإرادتي."
الجملة دي نسفت عمر كامل.
هو طول السنين دي عايش على رواية واحدة… إن أمه هربت وسابتهم، وإن أبوه اتكسر بعدها وبقى قاسي بسببها.
كان مصدق.
أو يمكن… كان محتاج يصدق.
اتحرك ناحية الكومودينو جنب السرير، لقى نظارة قراءة قديمة، وعلبة دوا ضغط، ومشط فيه شعر أبيض.
يعني في
وفجأة… سمع صوت كحة جاية من آخر الطرقة.
اتجمد.
خطوات بطيئة بتقرب.
وبعدين ظهرت ست عجوز، لابسة شال قديم، وسندة على عصاية.
أول ما رفعت وشها… قلبه وقف.
نفس العينين.
نفس الشامة الصغيرة جنب الفم.
همس بصوت مخنوق:
"أمي؟"
الست شهقت، والعصاية وقعت من إيدها.
"ماجد…؟"
جري ناحيتها، لكنه وقف قبل ما يلمسها، كأنه خايف تختفي لو قرب.
مدت إيدها المرتعشة ولمست خده.
"كبرت يا ضنايا…"
وقع على ركبته قدامها، والدموع نزلت من غير استئذان.
"قالولي إنك هربتي… إنك سيبتينا!"
قفلت عينيها بألم قديم.
"أبوك طردني يا ماجد."
رفع راسه بصدمة.
"إيه؟"
"طردني، وقال لو رجعت أو حاولت آخدك هيحرمني منك للأبد. كنت من غير أهل، ومن غير فلوس، وكنت حامل في أخوك الصغير."
ماجد اتراجع خطوة.
"أخويا؟"
نزلت دموعها.
"مات وهو عنده شهرين… وأنا فضلت أدوّر عليك سنين."
حس صدره بيتقطع.
"طب ليه ما جيتيش؟"
ردت وهي بتبص حوالين البيت:
"جيت. كتير. كنت أقف بعيد أشوفك رايح المدرسة. ولما كبرت وسافرت… رجعت هنا."
سكتت لحظة.
"البيت ده آخر مكان ضميتك فيه."
ماجد بدأ يفتح الأدراج القديمة بعصبية، يدور على أي دليل.
لحد ما لقى صندوق خشب صغير تحت السرير.
فتحه.
عشرات الجوابات.
كلها باسمه.
مختومة… وبعضها مفتوح.
مسك أول جواب.
"حبيبي ماجد، أنا واقفة برة المدرسة النهاردة…"
التاني:
"أبوك رجعني وقال لو قربتلك هيبلغ عني."
التالت:
"لو كبرت يومًا وافتكرت إني سبتك… سامحني."
وقع على الأرض وهو بيبكي.
أربعين سنة من الغضب، من الوحدة، من الشغل لحد الجنون، من محاولات إثبات نفسه…
كلها مبنية على كذبة.
أمه قربت منه، ومسحت على شعره زي ما كانت بتعمل زمان.
وقالت بهدوء:
"أنا كل يوم كنت بدعي ترجع."
بصلها بعينين غرقانين.
"أنا رجعت متأخر."
ابتسمت وسط دموعها.
"بس رجعت."
وفي اللحظة دي… لأول مرة من سنين طويلة، ماجد حس إنه مش غني…
لكنه بقى عنده حاجة أغلى من كل فلوسه.ماجد قعد جنب أمه على الأرض، وسنين القسوة كلها بتتفك جواه حتة حتة.
فضل يبصلها كأنه بيعوض الأربعين سنة اللي ضاعوا.
قال بصوت مكسور:
"ليه ما حاولتيش توصليلي بعد ما كبرت؟ كنت مشهور… اسمي في كل مكان."
تنهدت، ومسكت طرف الشال.
"حاولت. كتبت للشركة بتاعتك مرتين. الأمن رجّع الجوابات. وروحت مكتبك مرة… قالوا المواعيد بالحجز."
سكتت لحظة.
"وأنت كنت
الكلام نزل عليه زي السكين.
هو اللي بنى أسوار حوالين نفسه… ونسي مين براها.
قام بسرعة.