اتفضل—كلم أي حد عايزه”، قال القاضي دانيال كارتر بابتسامة فيها ثقة زيادة عن اللزوم…
اتفضلكلم أي حد عايزه، قال القاضي دانيال كارتر بابتسامة فيها ثقة زيادة عن اللزوم وهو متخيل إن ولا حاجة ممكن تهزّه أو تفقده سيطرته.
كان كارتر قاعد على منصة القضاء من أكتر من عشرين سنة، مقتنع بحاجة واحدة بس مفيش حاجة في الدنيا ممكن تفاجئه. لا صدمة، ولا بكاء، ولا حتى استجداء يقدر يكسّر هيبته.
الصبح ده كان عادي جدًا في نظره.
لحد ما بنت صغيرة دخلت قاعة المحكمة وغيّرت كل حاجة.
كانت عندها حوالي 6 سنين. لابسة فستان وردي، وضفايرها مش متظبطة شوية، وممسكة موبايل في إيديها الصغيرة وكأنه أهم حاجة في الدنيا.
في الأول، محدش ركّز معاها.
يمكن تبع حد من الموظفين. يمكن دخلت بالغلط. مفيش حاجة غريبة.
لكن فجأة مشت لحد نص القاعة وقفت قدام القاضي مباشرة.
وسكتت.
القاضي كارتر ساند ضهره على الكرسي بابتسامة مستفزة.
وانتي فاكرة نفسك بتعملي إيه؟ قالها بسخرية خفيفة.
البنت بصّت له بثبات غريب عليها.
أنا هعمل مكالمة.
ضحك خفيف سمع في القاعة.
هنا؟ في قاعة المحكمة بتاعتي؟ قال وهو مستغرب ومستمتع في نفس الوقت.
هزّت راسها.
وإنتي هتكلمي مين بقى؟
ردت بكل بساطة
أي حد أنا عايزاه.
الضحك زاد حتى القاضي نفسه ابتسم وقال باستهزاء
ماشي اتفضلي، كلمي أي حد عايزاه.
لكن في اللحظة دي
لأن أول ما المكالمة اترد عليها الصوت اللي جه من الناحية التانية مسح الابتسامة من على وش القاضي تمامًا.
واللي حصل بعد كده هتعرفه في أول تعليق الصمت وقع فجأة في القاعة كأن حد ضغط زرار وكتم صوت العالم كله.
البنت الصغيرة كانت واقفة ثابتة، ماسكة الموبايل بإيديها الصغيرة، وبصها مركز على القاضي دانيال كارتر اللي وشه بدأ يتغير لأول مرة.
ابتسامته راحت.
استغرابه ظهر.
وبعدها القلق.
الصوت اللي جاي من الموبايل كان واطي، لكن كفاية يخلي القاعة كلها تحس إن في حاجة كبيرة بتحصل.
أيوه أنا معايا البنت دلوقتي.
جملة واحدة بس.
لكنها خلت القاضي يعتدل في كرسيه فجأة.
مين مين معاك؟ قالها بصوت أقل ثقة من شوية.
البنت قربت الموبايل منه بهدوء.
وفي اللحظة دي سمع صوته هو.
صوت رجّاله.
صوت ما كانش مفروض يتسمع تاني أبدًا.
حضرة القاضي فاكر القضية رقم 118؟ فاكر اللي حصل فيها قبل 12 سنة؟
القاعة بدأت تهمس.
الناس بصت لبعضها.
القاضي اتجمد مكانه.
رقم القضية ده كان مفروض يفضل مدفون.
اقفلوا المكالمة دي فورًا! صرخ فجأة، وصوته لأول مرة فيه توتر حقيقي.
لكن البنت رفعت عينيها ليه وقالت بهدوء يخوّف أكتر من الصراخ
هو أنت خايف ليه؟ أنت قولتلي أكلم أي حد عايزاه.
الصوت
كنت فاكر إن اللي حصل في القضية دي مات؟ ولا إن الورق اتحرق خلاص؟
عرق بدأ يظهر على جبين القاضي.
محاميين القاعة سكتوا تمامًا.
وأول مرة في التاريخ القاضي اللي كان بيحكم الكل، بقى هو اللي بيتحاكم بالصوت بس.
إنت عايز إيه؟ قالها دانيال بصوت مكسور.
الصوت رد ببرود
مش أنا هي اللي عايزة تعرف الحقيقة.
وببطء شديد كل العيون اتحولت للبنت الصغيرة.
اللي رفعت الموبايل وقالت
احكي لهم اللي حصل يومها.
والقاعة كلها حبست نفسها في نفس اللحظةالقاعة سكتت تمامًا لدرجة إنك كنت تسمع نفس أي حد فيها.
القاضي دانيال حاول يثبت نفسه، لكن صوته خانّه
دي دي لعبة. في تلاعب بيحصل.
البنت ما ردتش عليه. كانت مركزة على الموبايل بس.
والصوت في الناحية التانية رجع تاني، أهدى بس أقسى
مش لعبة يا حضرة القاضي دي الحقيقة اللي هربت منها سنين.
وفجأة سُمع صوت ورق بيتقلب.
القضية 118 مقتل رجل الأعمال سامي عبد الرحمن والحكم اللي اتكتب فيها كان مزوّر.
الهمهمة في القاعة زادت.
محضر الجلسة اتغيّر بعد ما خرجتوا من القاعة. الدليل الأساسي اختفى. والشاهد الرئيسي اتسكت عليه.
القاضي وقف فجأة.
كفاية! ده كذب! صرخ، لكن صوته كان مهزوز.
البنت رفعت عينيها ليه وقالت بهدوء
لو كذب ليه إيدك
سكون.
سكون تقيل كأن القاعة كلها بتنهار من جوه.
الصوت في الموبايل كمل
أنا كنت الشاهد الوحيد اللي اتجاهلت شهادته. وكنت طفل وقتها زي البنت اللي واقفة قدامك دلوقتي.
القاضي اتجمد.
انت مستحيل
أيوه أنا اللي حكمت عليا تسكت سنين. بس النهاردة، رجعت.
البنت الصغيرة بصت للقاضي وقالت فجأة
أنا مش لوحدي.
وفي اللحظة دي باب القاعة اتفتح.
ودخل راجل كبير في السن، ماسك ملف قديم جدًا، عينيه على القاضي مباشرة.
وقال بصوت ثابت
حضرة القاضي جاهز نفتح الملف من الأول؟
وش وجه دانيال فقد كل لونه
لأنه عارف الشخص ده كويس جدًا.
أكتر مما كان يتمنى يشوفه تاني في حياته القاضي دانيال رجع خطوة لورا تلقائيًا، كأنه لأول مرة مش لاقي أرض ثابتة يقف عليها.
إنت إنت المفروض كنت مسافر برا البلد! قالها بصوت مخنوق.
الراجل اللي دخل قفّل الباب وراه بهدوء، وبص حواليه على القاعة اللي بقت ساكتة تمامًا.
سافرت بس رجعت لما عرفت إن الحقيقة لسه مدفونة.
رفع الملف القديم في إيده، والورق كان باين عليه الزمن أكله.
ده أصل محضر القضية 118 قبل ما يتعدل ويتغيّر.
الهمس في القاعة زاد، والناس بدأت تتقدم خطوة لقدام كأنهم مش مصدقين اللي بيسمعوه.
البنت الصغيرة بصت للراجل وقالت بهدوء
هو ده اللي
هز راسه
أيوه بس محتاجين اللحظة دي.
بص للقاضي وقال
حضرتك حكمت في قضية مقتل ماحصلتش زي ما