سليم وقف مكانه متجمد بعد ما سمع كلام الطبيب: “البقاء لله…”
من الغرفة وهو حاسس إن كل خطوة بتسحب منه جزء من روحه. الممر كان طويل وبارد بشكل مبالغ فيه، كأن المستشفى كله بقى ساكت احترامًا للوجع اللي جواه.
وقف عند الحيطة، أسند راسه عليها، وأخد نفس عميق بس النفس نفسه كان تقيل.
فارس لحقه ووقف جنبه من غير ما يتكلم.
الدقائق عدّت، وبعدين فارس قال بهدوء
سليم أنت لازم تكون قوي لياسمين. هي دلوقتي محتاجاك أكتر من أي وقت.
سليم ضحك ضحكة قصيرة مكسورة، من غير فرحة
قوي؟ وأنا مش قادر أوقف على رجلي؟ أنا كنت مستني أخرج بيه من المستشفى على إيدي أسمعه بينادي عليا ألبسه أول هدومه
وسكت فجأة، كأن الكلمات خنقته.
فارس قرب منه أكتر
اللي حصل وجع كبير بس ياسمين دلوقتي عايشة. وانتوا الاتنين لازم تقوموا من الصدمة دي مع بعض، مش تسيبوها تكسر كل حاجة.
سليم ما ردش، بس عينه راحت ناحية باب الغرفة تاني. كان شايفها من بعيد، نايمة وملامحها منهكة، وكأنها فقدت جزء منها مش بس طفل.
بعد شوية، خرجت ممرضة وقالت
حالتها مستقرة دلوقتي،
سليم تحرك تلقائيًا
أنا.
دخل تاني، وقعد مكانه جنب السرير كأنه ما خرجش أصلاً.
المرة دي ما مسكش إيدها بسرعة بس حط إيده جنبها بهدوء، كأنه خايف يوجعها حتى وهي نايمة.
مرّت ساعات، وياسمين بدأت تفوق تدريجيًا. فتحت عينيها، وبصت حواليها بتوهان، ولما شافته دموعها نزلت فورًا من غير صوت.
سليم همس
أنا هنا.
ياسمين بصوت ضعيف متقطع
هو حلم؟
سكت لحظة.
وبعدين قال الحقيقة، بس بهدوء شديد كأنه بيحاول يخفف حِدّتها
مش حلم بس إحنا هنعديها سوا مش لوحدك.
ياسمين غمضت عينيها تاني، والدموع على خدها، وهمست
أنا مش عايزة أعدي أنا عايزة ابني.
سليم قرب أكتر، وحط إيده على إيدها للمرة الأولى من غير تردد
عارف وده أصعب إحساس في الدنيا بس أنا مش هسيبك تغرقي فيه لوحدك.
في اللحظة دي، ما كانش في عزاء كامل، ولا إجابات.
بس كان فيه حاجة صغيرة جدًا بدأت تتكون وسط الألم إنهم على الأقل لسه ماسكين في بعض، حتى لو كل حاجة تانية اتكسرتالأيام
ياسمين دخلت في حالة صمت شبه كامل. ساعات تبقى هادية بشكل مخيف، وساعات فجأة تنهار من غير مقدمات. كل حاجة حواليها كانت بتفكرها باللي حصل، حتى صوت الأجهزة الطبية كان بيستفز وجعها.
سليم ما فارقهاش. كان بيقعد جنبها بالساعات، من غير ما ينام تقريبًا. ملامحه بدأت تبهت، وعيونه بقت مرهقة، لكن عناده إنه يفضل واقف كان أقوى من التعب.
في ليلة هادية، المستشفى كانت شبه فاضية، ياسمين فتحت عينيها لقيته نايم على الكرسي جنبها، راسه مائلة وإيده لسه قريبة منها كأنه ما سابهاش حتى في النوم.
بصت له شوية، وبعدين بصوت واطي خافت قالت
سليم
فتح عينه بسرعة كأنه كان صاحي من الأول
أنا هنا.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
أنا مش عارفة أعيش عادي كل ما أقفل عيني بشوفه.
سليم قام قرب منها، وقعد على طرف السرير
ومين قالك إنك لازم تنسي؟
بصت له باستغراب.
كمل وهو بيختار كلماته بحذر
مش مطلوب تنسي مطلوب تعيشي رغم الوجع.
دمعة نزلت من عينها وهي بتهمس
أنا حاسة إني فشلت حتى في إني أبقى أم.
سليم هز راسه بسرعة
لأ. متقوليش كده أبدًا. اللي حصل مش له علاقة بيكي. أنتِ تعبتِ، واستحملتي اللي محدش يستحمله.
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت أهدى
لو في حاجة أنا متأكد منها، فهي إن ابننا كان هيكون فخور بيكي حتى وهو مش هنا.
الكلمة دي خلتها تسكت تمامًا. بصت له، وكأنها بتحاول تلاقي أي حاجة تمسكها في كلامه.
بعد دقيقة صمت، قالت
هو اسمه كان إيه؟
سليم اتجمد لحظة كأن السؤال جه متأخر قوي، لكنه مهم.
بص لها وقال بهدوء
أنا كنت عايز نسميه آدم زي ما كنا متفقين.
ياسمين كررت الاسم بصوت واطي
آدم
وسكتت. لكن المرة دي، دموعها كانت أهدى شوية مش انهيار، لكن وجع ساكن.
سليم مسك إيدها وقال
هنفضل نفتكره سوا مش كحاجة كسرتنا لكن كحاجة كانت جزء مننا.
ياسمين ما ردتش، بس للمرة الأولى من أيام، ما بعدتش إيديها عنه.
وبرغم إن الألم ما اختفاش، إلا إن بينهم بدأ
صمت مش مليان انهيار لكن مليان محاولة للنجاة.