الشمس كانت حامية جداً في القاهرة، والجو خانق لدرجة إن الدائري بقى عبارة عن نهر من العربيات الواقفة والزحمة اللي تسد النفس.

لمحة نيوز

ماما فوقي!
ياسين جري ناحية الأوضة وقلبه بيقوله إن الحقيقة اللي جاية هتغير حياته للأبد.
نكمل ونكشف إيه اللي حصل لياسين في الماضي؟ ولا الست هتفوق وتتكلم؟ ياسين اندفع جوه أوضة الطوارئ الصوت الحاد بتاع الجهاز كان بيخبط في ودنه كأنه إنذار نهاية.
الدكاترة حوالين السرير، واحد بيضغط على صدرها، والتاني بيجهز حقنة.
ابعد يا فندم!
اتقالت له بحدة، بس هو متحركش.
عينه كانت عليها وبس
على وشها اللي بقى أهدى بشكل مرعب.
الولد كان بيصرخ برا
مامااا!
وفجأة
الجهاز سكت.
خط مستقيم.
ثانية
اتنين
الدكتور رفع عينه وقال بصوت تقيل
هنحاول صدمة كهربائية.
جهاز الصدمات اتحط
واحد اتنين تلاتة!
جسمها اترعش
والجهاز رجع يطلع صوت.
نبض.
ضعيف بس رجع.
نَفَس ياسين طلع مرة واحدة، كأنه كان محبوس.
الدكتور بص له
هي بين الحياة والموت لو عندها حاجة تقولها، دي فرصتها.
ياسين قرب قلبه بيدق بجنون.
مسك إيدها وبرغم برودتها، حس برعشة خفيفة.
وفجأة
صوابعها اتحركت.
شفتها اتحركت بصعوبة وفتحت عينيها نص فتحة.
همست بصوت مكسور
يا ياسين
جسمه كله شد.
أنا هنا إنتي سامعاني؟
دمعة نزلت من طرف عينها وكأنها كانت مستنياه.
افتكر الحريق
اتجمد مكانه.
حريق؟
صوتها كان بيضعف
الفيلا الليلة دي كانوا عايزين
يقتلوك وأنا
الكلام اتقطع نفسها بقى تقيل.
إنت وعدتني إنك هترجع لنا
ياسين قرب أكتر، صوته بقى مبحوح
أنا رجعت بس مش فاهم حاجة إيه اللي حصل؟
عينيها فتحت شوية خوف واضح فيها
إياك تثق في
وقبل ما تكمل
الجهاز صرخ تاني.
الدكاترة زقوه بعيد وابتدوا يشتغلوا بسرعة.
الحالة بتسوء! بسرعة!
ياسين وقف برا الأوضة تاني
بس المرة دي مش نفس الشخص.
الحريق
الكلمة بتلف في دماغه.
وفجأة
صورة لمعت جواه
نار
صرخات
ست بتشده وبتقوله اجري!
وطفل صغير بيعيط
إيده اترعشت.
الولد!
بص له نفس الملامح نفس العيون.
همس لنفسه بصدمة
ابني؟
الولد بص له بخوف
في إيه يا بيه؟
ياسين ركع قدامه لأول مرة عينه تدمع
اسمك إيه؟
الولد قال بصوت ضعيف
عمر
القلب وقع.
عمر الاسم اللي جه في الوميض.
قبل ما يستوعب أكتر
تليفون ياسين رن.
رقم مجهول.
رد ببطء
ألو؟
صوت جاله هادي مخيف
واضح إن ذاكرتك بدأت ترجع يا ياسين.
سكت لحظة وبعدين كمل
بس للأسف لما تفتكر كل حاجة هيكون الوقت اتأخر.
ياسين شد على التليفون
إنت مين؟!
الصوت ضحك بخفة
أنا اللي حرقت ماضيك وجاي أكمل على اللي فاضل.
وقبل ما يقفل
قال جملة خلت الدم يتجمد في عروق ياسين
ابدأ بابنك.
ياسين لف بسرعة ناحية عمر
بس
الولد
اختفى.
نكمل ونشوف مين خطف عمر؟ ولا
نرجع للحريق ونكشف الحقيقة كاملة؟ياسين وقف مكانه كأنه اتجمد.
عينه مسحت المكان بسرعة ممر الطوارئ، الباب، السلم مفيش أثر لعمر.
صرخ بصوت جهوري
عُمر!!
الناس بصت له، الدكاترة اتلخبطوا، لكن مفيش رد.
في نفس اللحظة من بعيد، باب الطوارئ الحديدي كان بيتقفل بهدوء.
واحد خارج بيجري.
ياسين اندفع برا المستشفى بسرعة جنونية.
الدنيا برّه كانت لسه زحمة، بس بالنسبة له بقت فاضية.
شاف عربية سودا بتتحرك بسرعة بعيد عن الباب.
من الشباك الخلفي لمح إيد صغيرة بتخبط على الزجاج.
عُمر!
ركب أول تاكسي معدي وصرخ للسواق
امشي ورا العربية دي بسرعة!!
السواق اتفزع
يا باشا إيه اللي حصل؟
ياسين بعصبية
امشي بس!!
العربية السودا دخلت شارع جانبي ضيق وبسرعة اختفت بين الزحمة.
ياسين نزل قبل ما التاكسي يقف، وبدأ يجري وسط العربيات.
رجليه بتخبط في الأرض، قلبه بيدق كأنه هيخرج من صدره.
وفجأة
لقى حاجة وقعت على الأرض.
حذاء طفل.
عُمر.
رفع عينه بسرعة
شاف باب عمارة قديم مفتوح على آخره.
دخل من غير تفكير.
الدرج كان مظلم ريحة غريبة في المكان.
وكل خطوة بيقرب فيها كان بيسمع صوت.
بكاء خافت.
طلع الدور التالت الباب نص مفتوح.
فتح الباب ببطء
واتجمد.
عُمر كان مربوط على كرسي في نص الأوضة، ووشه
مليان دموع.
والراجل اللي كان في الحادث واقف جنبه ماسك سكينة صغيرة.
الراجل ابتسم
كنت عارف إنك هتجيله.
ياسين بص له بحدة
سيبه حالاً.
الراجل هز راسه
مش قبل ما تختار.
أختار إيه؟
الراجل قرب السكينة من رقبة الطفل وقال بهدوء مرعب
يا تفتكر ماضيك يا ابنك يموت دلوقتي.
الصمت وقع تقيل.
ياسين حس إن دماغه بتتنفجر.
وفي لحظة
رجعت له صورة تانية.
نار صراخ الست بتزقه برّه باب حديد وبتقوله
افتكر لو افتكرت هتموت!
وفجأة
اسم خرج من بين شفايفه بدون إرادة
سامح
الراجل ابتسم لأول مرة
أهو كده بدأت تفتكر.
وفي اللحظة دي بالظبط
صوت صفارة إسعاف قريب.
لكن الراجل متهزش بالعكس ابتسامته كبرت
فات الأوان.
وفجأة رفع السكينة
لكن ياسين اتحرك أسرع منه.
اندفع عليه، ضربه في إيده، والسكينة وقعت.
عُمر صرخ.
الراجل حاول يقاوم، لكن ياسين مسكه من رقبته وضربه في الحيطة.
ابني مش لعبة عندك!!
الراجل وهو بيتخنق ضحك
ابنك؟ لسه مش فاكر كل حاجة يا ياسين.
ياسين وقف لحظة
وبص للولد اللي بيعيط.
وفي اللحظة دي
الذكريات بدأت ترجع واحدة واحدة بسرعة مخيفة.
الفيلا الحريق الخيانة
والست اللي في المستشفى
مش مراته بس.
دي كانت الضابط اللي حاولت تنقذه ودخلت حياته عشان تحميه.
لكن اتكسر كل شيء في الليلة
دي.
وصوت الراجل الأخير جه ضعيف
الليلة دي ما خلصتش دي لسه أولها.
برا العمارة
سيارة سودا واقفة.
والباب اتفتح بهدوء.
وشخص نزل وقال في التليفون
تمام افتكر. نبدأ المرحلة التانية.

تم نسخ الرابط