الشمس كانت حامية جداً في القاهرة، والجو خانق لدرجة إن الدائري بقى عبارة عن نهر من العربيات الواقفة والزحمة اللي تسد النفس.
الشمس كانت حامية جداً في القاهرة، والجو خانق لدرجة إن الدائري بقى عبارة عن نهر من العربيات الواقفة والزحمة اللي تسد النفس. مواتير بتزن، وكلاكسات بتضرب في كل حتة بقلة صبر، والأسفلت من كتر السخونية كان بيطلع صهد بيغلغل في الجو.
جوه عربية مرسيدس سوداء فخمة، ياسين الجارحي ماكنش حاسس بأي حاجة من دي.
التكييف جوه العربية كان شغال ببراعة، وكراسي الجلد ملمسها ساقط ومريح وهو عينه على التابلت بيراجع أرقام وأرباح. رسومات بيانية.. عقود مستنية إمضاءه. أقل من ساعة ويكون في اجتماع عمره، الصفقة اللي هتخليه أكبر حوت عقارات في البلد، ب 500 مليون دولار.
يا باشا، السواق بتاعه عبده قالها بصوت واطي وهو بيبص في المراية، في قلق قدام.. شكل في حد وقع على الرصيف اللي في نص الطريق.
ياسين مرفعش عينه من على التابلت بلغ الإسعاف لو محدش بلغ.. وشوف لنا أي سكة تانية نخرج منها.
بس مكنش في مخرج، العربيات كانت راشقة في بعضها والطريق وقف تماماً.
فجأة، خبطة على إزاز العربية قطعت السكون اللي هو فيه.
خبطة حادة.. ومستعجلة.
ياسين كشر وبص ناحية الشباك. نزل الإزاز كام سنتيمتر وهو متوقع يشوف حد بيشحت ولا بيمسح العربية.
بس اتفاجئ بطفل، عينيه مليانة دموع ومرعوبة.
ولد صغير، ميكملش ست سنين.
وشه كان متغطي بالتراب، وإيديه الصغيرة ماسكة في طرف الإزاز كأنها القشة اللي هتنقذه من الغرق.
الولد همس وصوته بيترعش أرجوك يا بيه.. متمشيش وتسبنا.. ماما مش راضية تصحى خالص.. أبوس إيدك ساعدني.
نزل ياسين جري عند الام واتصدم لما شافها
لو عايز تعرف الباقي سيب لايك وكومنت وهارد عليك ياسين نزل من العربية بسرعة لأول مرة من سنين يحس إنه بيتحرك بدافع مش حسابات.
قلبه كان بيدق بطريقة غريبة وهو بيعدّي بين العربيات
ست شابة نايمة على الأرض جسمها سايب، ووشها شاحب بطريقة تخض. شعرها ملزق في وشها من العرق والتراب، وإيديها متخبطين كأنها حاولت تقوم وفشلت.
بس اللي جمده مكانه مش شكلها
اللي جمده إن في حاجة غريبة جداً.
رقبتها.
كان فيها علامة زرقا خفيفة دايرة كأنها ضغط أو حد ماسكها بقوة قبل ما تقع.
ياسين ركع جنبها بسرعة، حط إيده على رقبتها
نبض ضعيف بس موجود.
لف على عبده وصرخ لأول مرة بصوت عالي
اتصل بالإسعاف فوراً! حالاً!!
الولد كان واقف جنبه، بيعيط وهو بيشد في هدومه
ماما مش بترد عليا بقالها كتير صحيتها كتير قوي هي هتموت؟
ياسين بص له وفي لحظة، كل الأرقام اللي كانت في دماغه اختفت.
شد نفس وقال بهدوء عكس اللي جواه
لا أمك قوية. إحنا هنلحقها.
بس عينه رجعت تاني للعلامة اللي على رقبتها
والموضوع بدأ يبان إنه مش إغماء عادي.
فجأة، صوت عربية وقفت بعنف وراهم
ورجل نزل منها بسرعة، شكله متوتر وبيبص حواليه كأنه بيدوّر على حد.
أول ما عينه جت على الست
وشه اتغير.
همس لنفسه بصوت منخفض
إزاي لسه عايشة؟
ياسين سمع الجملة.
وبصله ببطء
والصفقة اللي كانت ب 500 مليون دولار؟
اختفت تماماً من حساباته.
لأنه حس إنه دخل في صفقة أخطر بكتير.
تحب أكمل ونكشف مين الراجل ده؟ ولا إيه اللي حصل للأم قبل ما تقع؟ ياسين وقف وبص للراجل بعين ثابتة بس جواه كان في إنذار شغال بأعلى صوت.
قاله بهدوء حذر
إنت تعرفها؟
الراجل اتلخبط جزء من ثانية بس حاول يتماسك بسرعة
آه آه دي قريبتي. تعبت فجأة وأنا كنت بدور عليها.
ياسين ضيّق عينه الكلمة اللي سمعها من شوية لسه بترن في ودنه
إزاي لسه عايشة؟
قبل ما يرد، صوت الإسعاف بدأ يقرب، والناس اتلمت حوالين المشهد.
الولد شد في إيد ياسين بسرعة وهمس بخوف
لا
ساعتها كل حاجة وضحت.
ياسين اتحرك خطوة لقدام، وقف بين الراجل وبين الست والولد وقال بصوت بقى فيه حِدة
خليك مكانك.
الراجل ابتسم ابتسامة باردة غريبة
إنت مالك؟ دي عيلتي.
ياسين رد من غير ما يرفع صوته
العيلة مبتقولش على بعضها إزاي لسه عايشة.
ثانية واحدة بس وكانت كفاية.
الراجل حاول يجري.
بس عبده السواق كان أسرع منه، جري ووقعه على الأرض وسط ذهول الناس.
في نفس اللحظة، المسعفين وصلوا وابتدوا يفحصوا الست.
واحد منهم بص لياسين وقال بجدية
دي مش إغماء عادي في آثار خنق.
الولد انهار في العياط
قولتلك يا بيه!
ياسين حس بدمه بيسخن مش بس غضب إحساس غريب إنه مسؤول عن اللي بيحصل.
بص للولد وقال بحزم
إنت هتيجي معايا. مش هسيبك.
الراجل وهو على الأرض بيحاول يفلت، صرخ
إنت متعرفش إنت بتدخل نفسك في إيه!
ياسين رد عليه بنظرة باردة
وأنا مبحبش أسيب حاجة بدأت فيها.
بعد نص ساعة
ياسين كان واقف قدام باب الطوارئ في المستشفى، والولد نايم على كتفه من التعب، ماسك فيه كأنه طوق النجاة.
الدكتور خرج وشه مش مريح.
قال
الحالة حرجة بس في حاجة أغرب.
ياسين عقد حواجبه
إيه؟
الدكتور بص له وقال ببطء
قبل ما تفقد الوعي كانت كاتبة اسم على إيدها.
قلب ياسين دق جامد
اسم إيه؟
الدكتور قال
ياسين
سكت لحظة وكمل
ياسين الجارحي.
الولد صحي فجأة وبص له بصدمة
هو إنت تعرف ماما؟
ياسين وقف ساكت
لأول مرة هو نفسه مش عارف الإجابة.
بس كان متأكد من حاجة واحدة بس
الموضوع مش صدفة. ياسين حس إن الأرض بتميل تحته للحظة اسمه؟ إزاي؟
بص للدكتور بسرعة
فين إيدها؟
الدكتور شاور له، وياسين دخل أوضة الطوارئ بخطوات سريعة. قرب منها إيدها كانت متربطة بشاش خفيف، بس الاسم باين مكتوب بخط
ياسين الجارحي
وقف يتأمل الاسم وكأن حد بيشد خيط من ماضي هو نفسه ناسيه.
الولد دخل وراه، مسك هدومه
ماما كانت بتقول الاسم ده قبل ما تقع كانت خايفة.
ياسين بلع ريقه، وقال بهدوء
قالت إيه بالظبط؟ حاول تفتكر.
الولد مسح دموعه وقال
قالت لو حصلي حاجة دور على ياسين هو الوحيد اللي يقدر ينقذنا.
الصمت وقع تقيل في الأوضة.
ياسين رجع خطوة لورا دماغه بدأ يشتغل بسرعة.
حد بيدور عليه ست عمره ما شافها وابنها عارف اسمه!
قطع التفكير صوت عبده وهو داخل بسرعة
يا باشا البوليس وصل، والراجل اللي مسكناه طلع مش سهل خالص.
ياسين لف له
يعني إيه؟
عبده قرب وقال بصوت واطي
عليه سوابق ومرتبط بناس تقيلة. بس المصيبة إنه مصر يقول إنه كان بينفذ أوامر.
عين ياسين لمعت
أوامر مين؟
قبل ما عبده يرد باب الأوضة اتفتح بعنف.
ضابط دخل ملامحه جد، بس أول ما شاف ياسين اتفاجئ
أستاذ ياسين الجارحي؟
ياسين هز راسه
أيوه.
الضابط اتردد لحظة وبعدين قال
في حاجة لازم تشوفها بنفسك.
بعد دقايق
ياسين واقف قدام الراجل المقبوض عليه، اللي كان قاعد مكبل ووشه متعور من المقاومة.
أول ما شاف ياسين ابتسم نفس الابتسامة الباردة
كنت عارف إنك هتيجي.
ياسين قرب منه، صوته هادي بس تقيل
مين اللي باعتك؟
الراجل ضحك ضحكة قصيرة
مش مهم مين المهم إنك رجعت للعبة.
ياسين كشر
أنا مش في أي لعبة.
الراجل قرب وشه وقال بهمس
أنت كنت فيها زمان بس شكلك نسيت.
القلب دق بعنف.
نسيت إيه؟
الراجل رد بجملة خلت الدم يتجمد في عروق ياسين
نسيت إن الست دي كانت مراتك.
صمت.
كلمة واحدة قلبت كل حاجة.
ياسين رجع خطوة عينه راحت ناحية الباب ناحية الأوضة اللي فيها الست.
مراتي؟
طب إزاي؟
هو عمره ما اتجوز أو على الأقل ده اللي فاكره.
الراجل كمل وهو بيبتسم
واضح إنهم مسحوا
في نفس اللحظة
جهاز المراقبة جوه أوضة الطوارئ بدأ يصرخ بصوت عالي.
الدكاترة جريوا.
والولد بره واقف بيعيط
ماما!