ابني طلعني من جروب العيلة، ولما سألته عن السبب، قالي

لمحة نيوز

ابني طلعني من جروب العيلة، ولما سألته عن السبب، قالي:
"يا أمي، الجروب ده للناس الكبار اللي بيشتغلوا وبيتكلموا في الشغل، وإنتِ مش هتفهمي إحنا بنتكلم في إيه."
وبعد أسبوع واحد بس، الاتناشر كلهم ظهروا عند المزرعة بتاعتي اللي قريبة من طريق الفيوم، شايلين شنط السفر، واللحمة بتاعة الشوي، والآيس بوكسات، ومقتنعين إني هسيب المفتاح كالعادة تحت القصيص اللي جنب الباب…
لكنهم ماكانوش يعرفوا إن الليلة دي هتبقى مختلفة تمامًا، وإن عند البوابة المقفولة كان مستنيهم حاجة عمرهم ما توقعوها.
ماكانتش لحظة خروجي من الجروب هي أكتر حاجة وجعتني…
لكن الجملة اللي اتقالت بالبرود ده…
البرود اللي بيظهر لما الأولاد يبطلوا يشوفوا أمهم كأم، ويبدأوا يشوفوها حمل.
عمري ستة وسبعين سنة، وأنا أرملة من حداشر سنة، ومع كده فضلت الكلمة دي واقفة في صدري زي الشوكة…
لأنهم ما اكتفوش إنهم يبعدوني من محادثة…
دول بدأوا يمسحوني واحدة واحدة من حياتهم.
أنا عمري ما كنت ست غنية…
أنا وجوزي الله يرحمه، الحاج محمود، بنينا المزرعة دي من الصفر، بعد سنين شغل في الأسواق، نبيع زيتون وعسل، ونجمع جنيه فوق جنيه في برطمانات الإزاز، ونقضي أيام طويلة تحت شمس الأرض.
كل شجرة زيتون هنا شايلة ذكرى…
وكل ركن في البيت بيحكي حكاية.
لكن مع الوقت، المكان ده ما بقاش بالنسبة لولادي ذكرى…
بقى مجرد مكان للراحة، يجوا فيه في الإجازات مع صحابهم وعيالهم، ومعاهم اللحمة للشوي، والمزيكا، والضحك، كأنها مزرعة سياحية ببلاش…
بينما ست عجوز واقفة في الخلف تطبخ وتنضف من غير ما حد حتى يسألها.
والموجع إني كنت فاكرة

إن ده حب…
كنت بسيب المفتاح تحت القصيص الكبير اللي عند الباب، أعمل الكسكسي والمربى، أرتب الأوض، وأملا التلاجة، ومقتنعة إني كده لسه مهمة في حياتهم.
حتى بعد يوم واحد بس من استبعادي من الجروب، مرات ابني بعتتلي رسالة قصيرة كأن مفيش حاجة حصلت:
"سيبي المفتاح مكانه، إحنا جايين الجمعة مع العيال."
ماقالتش لو سمحت…
وماقالتش شكرًا…
وحتى ما سألتش أنا عاملة إيه.
ساعتها اكتشفت إنهم مخططين لويك إند كامل في بيتي من غير ما يقولولي…
اتناشر شخص، كأن صاحبة المكان مش موجودة، وكأني مجرد قطعة عفش.
روحت المزرعة قبلهم بيوم، وأول ما شافني الغفير، عم رمضان، فهم من وشي إن في حاجة اتكسرت جوايا…
عم رمضان سكت شوية، وبعدها قال بصوت واطي: — "هما فاكرينك هتعملي زي كل مرة… تفتحي البيت وتطبخي وتضحكي وكأن مفيش حاجة حصلت."

بصيتله وأنا بحاول أمنع دموعي تنزل، وقلت: — "لأ يا رمضان… المرة دي مختلفة."

أول حاجة عملتها، إني شلت المفتاح من تحت القصيص. بعدها دخلت البيت، ولفّيت في الأوضة أوضة… لمست السراير اللي كنت بفرشها بإيدي قبل ما يجوا، والتلاجة اللي كنت بملاها من معاشي، والمطبخ اللي كنت بفضل واقفة فيه بالساعات عشان ياكلوا وينبسطوا.

ولأول مرة من سنين… ماحضّرتش حاجة.

لا مربى. لا كحك. لا لحمة متتبلة. ولا حتى زجاجة مياه ساقعة.

وفي آخر النهار، طلبت من عم رمضان يقفل البوابة الكبيرة بالسلسلة الحديد.

بصلي باستغراب: — "تقفّلها؟"

قلت بهدوء: — "أيوه… واللي يسأل، قوله الست الحاجة مش موجودة."

لكن الحقيقة؟ أنا كنت موجودة. كنت قاعدة جوه البيت، ورا الشباك، مستنية.

الجمعة الساعة سبعة بالليل تقريبًا، بدأت العربيات تدخل الطريق الترابي واحده ورا التانية… ضحك عالي. أغاني. عيال بتجري. وكأنهم رايحين منتجع.

سمعت صوت ابني الكبير وهو بيقول: — "أكيد أمي مجهزة كل حاجة كالعادة."

وبعدين وقفوا فجأة قدام البوابة المقفولة.

نزلوا من العربيات متلخبطين. مرات ابني قربت من القصيص ومدت إيديها تحته… ووشها اتغيّر.

— "المفتاح مش هنا!"

وابني زعق: — "يا عم رمضان! افتح الباب!"

خرج عم رمضان بهدوء وقال: — "الحاجة قالت محدش يدخل."

سكتوا كلهم لحظة… لحظة صدمة حقيقية.

ابني ضحك بسخرية: — "يعني إيه محدش يدخل؟ دي أمنا!"

رد عم رمضان: — "وأنتو فاكرين إن الأم دي فندق؟"

أنا وقتها كنت واقفة ورا الستارة… شايفاهم كلهم.

ولأول مرة… أنا اللي كنت جوه مرتاحة، وهما اللي واقفين بره محتارين.

بدأت الأصوات تعلى.

— "هي زعلانة عشان الجروب؟" — "يا نهار أبيض هو إحنا عملنا إيه يعني؟" — "دي مكبرة الموضوع أوي!"

لكن أكتر حاجة كسرتني… إني سمعت حفيدي الصغير يسأل أبوه: — "إحنا مش هندخل عند الشغالة العجوز؟"

الشغالة العجوز…

الجملة نزلت عليا زي السكينة.

عارف مين اللي رد؟ ابني نفسه.

ماقالوش "دي جدتك."

ما دافعش عني.

كل اللي قاله بضيق: — "اسكت يا يوسف."

بس.

في اللحظة دي فهمت إن المشكلة أكبر من جروب… المشكلة إنهم اتعودوا ياخدوا، وأنا اتعودت أدي.

من غير حدود.

فتحت الباب الصغير اللي جنب الجنينة، وخرجت لهم بهدوء.

أول ما شافوني سكتوا كلهم.

ابني حاول يبتسم: — "يا أمي… إيه اللي حصل بس؟"

بصيتله مباشرة وقلت: — "الجروب للكبار

اللي بيفهموا الشغل… صح؟"

وشه احمر فجأة.

كملت: — "يبقى البيت ده كمان للكبار اللي يعرفوا قيمة الناس."

مرات ابني قالت بسرعة: — "إحنا كنا بهزر يا طنط."

ضحكت لأول مرة… بس ضحكة باردة.

— "الغريب إن هزاركم كله بيريّحكم… ويوجعني أنا."

وبعدين طلعت ورقة من شنطتي.

عقد.

ابني اتفاجئ: — "إيه ده؟"

قلت: — "عقد بيع المزرعة."

سكتوا كلهم مرة واحدة.

— "بعتّها؟!"

هزيت راسي: — "أيوه. لمستثمر هيحوّلها دار ضيافة."

مرات ابني شهقت: — "بس إحنا بنقضي الصيف هنا!"

بصيتلها بهدوء: — "وأنا بقضي عمري كله هنا… محدش سألني كنت مرتاحة ولا لأ."

ابني قرب مني بتوتر: — "يعني إيه؟ هتروحي فين؟"

قلت: — "اشتريت شقة صغيرة في إسكندرية… جنب البحر."

ولأول مرة من سنين… ابتسمت بصدق.

— "مكان محدش يعرف مفتاحه تحت أي قصيص."

فضلوا واقفين مصدومين… والعيال بدأت تعيط من التعب والجوع.

أما أنا؟ فلفّيت ضهري، ودخلت البيت، وقفلت الباب بهدوء.

ومن يومها… ولا عمري اتحطّيت في جروب تاني بالغلط.بعدها بثلاث أيام، كنت قاعدة في البلكونة بتاعة شقتي الجديدة في إسكندرية… البحر قدامي، وكوباية الشاي في إيدي، ولأول مرة من سنين ماحدش بينادي: "يا ماما فين المناشف؟" "يا طنط الأكل خلص." "يا تيتة اغسليلي القميص ده."

سكون… سكون غريب في الأول، لكنه مريح.

كنت لسه بتعلم إزاي أعيش لنفسي.

الموبايل رن.

اسم ابني الكبير ظهر على الشاشة.

بصيتله شوية… وسيبته يرن.

بعدها بدقيقة، رسالة: "إحنا محتاجين نتكلم."

ضحكت بيني وبين نفسي… أول مرة يبقى "محتاج" حاجة غير المفتاح.

ما رديتش.

لكن

المكالمات ماوقفتش. هو… وإخوته… وحتى مراتاتهم.

وفي الآخر، بعتلي حفيدي الكبير رسالة صوتية: — "تيتة… بابا متعصب أوي من يوم المزرعة، وماما بتقول إنك قسيتي علينا."

تم نسخ الرابط