عزمتُ خطيب ابنتي على العشاء
عزمتُ خطيب ابنتي على العشاء لكن في منتصف السهرة، لاحظتُ أنه يُسقط الشوكة تحت الطاولة كل بضع دقائق، بينما كانت ابنتي ترتجف كلما انحنى لالتقاطها.
وعندما انحنيتُ أخيرًا لأرى ما الذي يحدث تحت السفرة
اكتشفتُ السبب الذي جعل ابنتي تنظر إليّ طوال الوقت بخوفٍ وتوتر.
اسمي فاطمة، وأعيش مع ابنتي مريم في شقةٍ بسيطة بأحد أحياء وهران الشعبية منذ وفاة زوجي قبل خمس سنوات.
ومريم
كانت كل ما تبقّى لي في هذه الدنيا.
حين خُطبت لسامي قبل ثمانية أشهر، ظننتُ أن الله قد عوّضها أخيرًا برجلٍ صالح.
كان مهذبًا أمام الجميع.
هادئ الطباع.
يواظب على الصلاة.
ويتحدث دائمًا عن الستر وبناء أسرةٍ محترمة.
حتى إن الجيران كانوا يقولون لي
ابنتكِ محظوظة بهذا الرجل.
وفي البداية، صدّقتهم.
لكن بعد الخطوبة بشهرين، ابنتي تغيرت تماما.
تركت عملها فجأة.
ابتعدت عن صديقاتها.
وأصبحت تُخفي هاتفها كلما دخلتُ غرفتها.
وكلما سألتها
هل أنتِ بخير يا مريم؟
ابتسمت بسرعة وقالت
أنا بخير يا أمي.
لكن تلك الابتسامة لم تكن تصل إلى عينيها أبدًا.
وفي ليلة العشاء، جاء سامي وحده لأول مرة.
أحضر معه علبة حلوى فاخرة، وجلس بثقةٍ كأنه صاحب المنزل.
كان يتحدث كثيرًا
أما مريم، فلم تكن تكاد تنطق بكلمة.
كلما سألتُها شيئًا، أجاب هو بدلًا عنها.
مريم متعبة هذه الأيام.
مريم لم تعد تحب الاختلاط كثيرًا.
وأنا أفضل أن تبقى خطيبتي بعيدة عن المشكلات.
ثم يبتسم
لكنني كنت أرى شيئًا آخر.
الخوف.
كان ظاهرًا في يدي ابنتي المرتجفتين.
وفي الطريقة التي كانت تتجنب بها النظر إليه.
ثم سقطت الشوكة فجأة تحت السفرة.
اعتذر سامي مبتسمًا، وانحنى سريعًا ليلتقطها.
لكن قبل أن يسبقني، انحنيتُ أنا أيضًا.
وهناك
تجمّد الدم في عروقي.
كانت يدُه فوق ساق ابنتي تحت الطاولة، بينما كانت تحاول إبعادها عنها بصمتٍ وعيناها ممتلئتان بالخوف.
رفعتُ رأسي ببطء
فوجدته ينظر إليّ مباشرة.
ثم ابتسم ابتسامةً باردة وقال بهدوء
من الأفضل أن نُكمل العشاء وكأنكِ لم تري شيئًا.
وفي اللحظة نفسها
دفعت مريم يده عنها بعنفٍ مفاجئ.
فسقط شيءٌ من تحت الطاولة واستقرّ بجوار قدمي.
وحين انخفضت عيناي نحوه
شعرتُ بأن أنفاسي توقفت تمامًا.
صلي على الحبيب
القصه مدهشه للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعارانخفضتُ بسرعة والتقطتُ الشيء الذي سقط تحت الطاولة
وكان هاتف مريم.
لكن الشاشة كانت مضيئة.
ورغم أنني لم أقصد التطفل
إلا أن صورةً واحدة ظهرت أمامي جعلت جسدي كله يرتجف.
كانت صورة لكدمةٍ زرقاء كبيرة على ذراع ابنتي.
وتحتها رسالة مرسلة إلى سامي قبل أسبوعين تقول
أرجوك لا تضربني مرة أخرى.
شعرتُ وكأن الأرض اختفت من تحتي.
رفعتُ عيني نحوه ببطء.
أما هو
فكان ما يزال يبتسم.
ابتسامة باردة خالية من أي خوف أو ندم.
قال وهو يمد يده نحو الهاتف
أعتقد أن هذا يخص
لكن مريم أمسكت الهاتف قبله فجأة، وضغطت عليه بقوة إلى صدرها.
وكانت تلك أول مرة أراها تنظر إليه دون خوف كامل.
بل بشيء يشبه الانهيار.
همست بصوت مرتجف
كفاية يا سامي
ساد الصمت.
حتى صوت الملاعق اختفى.
اقتربتُ من ابنتي فورًا وجلست بجانبها، ثم أمسكت يدها.
كانت باردة جدًا.
باردة كأنها خرجت للتو من عاصفة.
نظرتُ إليها وقلت بهدوء
قولي الحقيقة يا مريم.
بدأت شفتاها ترتجفان.
أما سامي، فاعتدل في جلسته وقال بنبرة حادة لأول مرة
مريم متعبة فقط، ولا داعي لتضخيم الأمور.
لكنني صرخت فيه فجأة
اخرس.
تفاجأ.
ومريم كذلك.
طوال حياتي لم أرفع صوتي على أحد تقريبًا
لكن رؤية الخوف في عيني ابنتي أيقظت شيئًا بداخلي.
شيئًا أقوى من الخوف نفسه.
التفتُ نحوها مرة أخرى.
هل ضربك؟
سقطت دموعها فورًا.
ولم تحتج للكلام.
عرفتُ الإجابة.
ثم قالت بصوت متقطع
في البداية كان يغضب فقط وبعدها صار يمسكني بعنف ثم بدأ يهددني.
شعرتُ أن قلبي يتمزق.
سامي ضرب الطاولة بيده فجأة وقال بعصبية
أنا رجل وهي خطيبتي! ومن حقي أربيها قبل الزواج!
وقفتُ فورًا.
ودون تفكير
صفعته بقوة جعلت الكأس يسقط من أمامه.
حتى هو نفسه بدا مصدومًا.
قلت وأنا أشير إلى الباب
اخرج من بيتي حالًا.
ابتسم بسخرية وهو ينهض ببطء.
ثم اقترب مني وقال بصوت منخفض
لو خرجت الآن الناس كلها ستعرف أن ابنتك كانت تأتيني بنفسها وتبكي عند قدمي.
ارتجفت مريم بشدة.
وعرفتُ فورًا
بل كان يحطمها نفسيًا أيضًا.
لكن قبل أن ينهي كلامه
خرج صوت من خلفه
وأنا أيضًا سأعرف.
تجمّد سامي مكانه.
كان الصوت لرجلٍ يقف عند باب الشقة المفتوح.
العم عبدالقادر جارنا القديم.
نظر إلينا بقلق وقال
سمعت الصراخ هل كل شيء بخير؟
وفي تلك اللحظة
انهارت مريم تمامًا.
أجهشت بالبكاء وهي تتمسك بي بقوة، ثم صرخت لأول مرة منذ شهور
هو بيضربني يا أمي وكان بيهددني بصوري!
ساد صمت ثقيل.
أما سامي
فتغير وجهه بالكامل.
اقترب العم عبدالقادر منه ببطء وقال بحدة
معاك خمس ثواني تطلع بره قبل ما أنادي رجال الحي كلهم.
حاول سامي التظاهر بالهدوء.
لكنني رأيت الخوف الحقيقي لأول مرة في عينيه.
التقط سترته بسرعة واتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج، التفت إلى مريم وقال ببرود
هتندمي.
لكن مريم
ورغم دموعها
رفعت رأسها أخيرًا وقالت
لا أنا ندمت يوم خفت منك.
ثم أغلقتُ الباب في وجهه بيدي.
وفي تلك الليلة
نامت ابنتي بجانبي كطفلة صغيرة لأول مرة منذ سنوات.
لكن قبل أن تغفو
همست لي بكلمات كسرت قلبي
كنت مستنية تشوفي بعينك يا أمي لأني كنت خايفة ما تصدقينيش جلستُ إلى جوارها طويلاً في صمتٍ ثقيل، أسمع أنفاسها وهي تهدأ شيئًا فشيئًا، كأنها تتعلم من جديد كيف تتنفس دون خوف.
لكن داخلي لم يكن هادئًا.
كان هناك سؤال واحد يدور في رأسي بلا توقف
كيف لم أرَ هذا من قبل؟
في الصباح التالي، لم أترك مريم وحدها لحظة واحدة.
أغلقتُ
كانت مريم جالسة في ركن الأريكة، تحتضن كوب شاي لم تلمسه.
تتأمل الأرض